قد يواجه الأشخاص الذين يسافرون لمسافات شاسعة، مثل من لندن إلى طوكيو، مشكلات مرتبطة باضطرابات الرحلات الجوية الطويلة، حيث يختل توازن الساعة البيولوجية لديهم (الإيقاع اليومي) مع التوقيت المحلي في موقع الوصول. وتظهر دراسة جديدة أن الطيور التي تهاجر لمسافات بعيدة قد تعاني من ظاهرة مشابهة تؤثر على مسارها.
وأظهرت أبحاث تم إجراؤها على طيور بحرية تعرف بطيور جلم ماء مانكس، أن عبور المحيط الأطلسي بسرعة يمكن أن يؤدي إلى عدم تناغم الساعة البيولوجية مع التوقيت المحلي، مما يسبب أخطاء في الاستراتيجية المتبعة للعودة إلى موطنها.
البوصلة الشمسية والساعة البيولوجية
تستطيع الطيور الاستفادة من عدة مؤشرات كبوصلة لتحديد مساراتها، ومنها الشمس. فالطائر الذي يطير نحو الجنوب يلاحظ الشمس على يساره عند شروقها وعلى يمينه عند غروبها، مما يستدعي منه تعديل اتجاهه طوال الوقت تبعاً لحركة الشمس في السماء.
وأوضح الباحث في قسم علم الأحياء بجامعة أكسفورد وأحد قادة الدراسة التي نُشرت في دورية “ساينس” باتريك ليوين “تستخدم الحيوانات ساعة بيولوجية للقيام بذلك، وهي نفس الساعة التي ترشد أجسادنا حول الأوقات المناسبة للنوم والنشاط”.
للتحقق من كيفية طيران الطيور عبر مساحات شاسعة من المحيط، قام الباحثون بتحليل بيانات نظام تحديد المواقع العالمي (جي بي أس) على مدار 20 عاماً من 1045 من طيور جلم ماء مانكس المتكاثرة. وتستطيع هذه الطيور التحليق لمسافة تصل إلى حوالي 1000 كيلومتر غرباً من مستعمراتها في جزر قريبة من بريطانيا بحثاً عن الطعام.
من خلال مواقع الطيور وحركة الشمس في السماء، احتسب الباحثون ما قد يرتكبه كل طائر من خطأ إذا استمرت ساعته البيولوجية متوافقة مع توقيت الفجر. وخلال 335 رحلة عودة إلى موطنها بعيداً عن أي يابسة، كانت الاتجاهات التي اتخذتها الطيور متطابقة إلى حد كبير مع الأخطاء المتوقعة.
وأشار ليوين، “العملية التي نشهدها هنا، أي عدم التوافق بين الساعة البيولوجية والوقت الخارجي الناتج عن الحركات الطولية، هي نفسها التي تؤدي إلى اضطراب الرحلات الجوية الطويلة لدى البشر”.
اقرأ المزيد
هذا القسم يحتوي على المقالات ذات الصلة، الموضوعة في حقل (Related Nodes field)
آثار محتملة على سلوكيات أخرى
لم يقم الباحثون بعد بإجراء دراسة حول ما إذا كانت عدم توافق الساعة البيولوجية يؤثر على الطيور في جوانب أخرى بخلاف الطيران، ولكن الساعة البيولوجية تؤثر على سلوكيات مثل البحث عن الغذاء والراحة، مما يفتح إمكانية عدم انتظام هذه السلوكيات أيضاً.
قال ليوين إن طيور جلم الماء تميل إلى الصيد بعد الفجر بقليل وقبل الغسق، عندما تقترب الأسماك والفرائس الأخرى من السطح، مما يعني أن فترة راحة غير طبيعية قد تكلفها الفرصة في العثور على الغذاء.
وأشار البحث أيضاً إلى أن الطيور استمرت في استخدام بوصلة الشمس حتى عندما كانت هناك مصادر أخرى للمعلومات متاحة. فعلى طول السواحل، حيث يمكن أن ترشدها الأرض التي تعرفها، ظلت المسافة بينها وبين الشاطئ تتغير وفقاً للتوجيه المتوقع بناءً على الأخطاء الناتجة عن البوصلة الشمسية المرتبطة بالساعة.
قال أستاذ سلوك الحيوان بجامعة أكسفورد وأحد قادة الدراسة تيم جيلفورد “في معظم مهام الملاحة، يُعتقد أن نظم البوصلة تستخدم بالتزامن مع نظم الخرائط في عملية من خطوتين. في خطوة الخريطة، يقوم الحيوان بتحديد موقعه مقارنةً بهدف معين، مثل موطنه، ثم في خطوة البوصلة، يستخدم بوصلة لترجمة ذلك إلى حركة”.
وقد تستمر الطيور في دمج هذين النظامين حتى في المناطق المألوفة لديها، بدلاً من الاعتماد كلياً على أحدهما فقط. وذكر ليوين أن هناك احتمالاً آخر، وهو أن البوصلة الشمسية تساعد الطيور في تحديد الاتجاه الذي ينبغي عليها اتخاذه على طول المسار.
حتى الغيوم قد لا تجعل البوصلة الشمسية غير فعالة. وأوضح ليوين أن الأدلة تشير إلى قدرة الطيور على استشعار الضوء المستقطب وتقدير موقع الشمس ما لم تكن السماء ملبدة تماماً بالغمام.
درس محتمل للبشر
بالنسبة للبشر، قد يؤدي اضطراب الرحلات الجوية الطويلة إلى آثار مزعجة قصيرة الأمد، وله صلة بمشكلات صحية طويلة الأمد لدى من يعانون منه بشكل متكرر، مثل الطيارين والمضيفين.
أوضح ليوين أنه لم يتبين بعد ما إذا كانت الطيور تعاني من آثار مشابهة، لكن أنواعاً مثل طيور جلم الماء، التي تسافر بشكل منتظم وبسرعة من الشرق إلى الغرب، قد طورت آليات للتكيف مع الاضطراب المتكرر لساعاتها البيولوجية.
وأضاف، “معرفة أن هذه الظاهرة تحدث ليست سوى الخطوة الأولى، لكن قد يكون بإمكان هذه الطيور أن تعلمنا شيئاً عن كيفية علاج أو تجنب اضطراب الرحلات الجوية الطويلة”.





