تزايد حرائق الغابات يشكل خطرًا على الرئة الخضراء للقارة الأفريقية

تزايد حرائق الغابات يشكل خطرًا على الرئة الخضراء للقارة الأفريقية
تزداد حدة الحرائق بشكل ملحوظ في الدول الأفريقية التي تحتوي على غابات استوائية، مما يؤدي إلى مخاوف من أن تواجه غابات حوض الكونغو نفس المصير الذي حل بغابات الأمازون وإندونيسيا، حيث تسهم عمليات إزالة الغابات والحرائق في زيادة انبعاثات الكربون.
وتستند هذه الاستنتاجات إلى البيانات التي جمعها مركز غرينبيس العالمي للخرائط، حيث يستخدم نماذج تستند إلى بؤر الحرائق التي تسجلها الأقمار الاصطناعية لتحديد المناطق التي يرتفع فيها نشاط الحرائق أو يتناقص عبر غابات أفريقيا الاستوائية بين عامي 2001 و2025. وتظهر البيانات أن عدد المناطق التي تشهد زيادة ملحوظة في نشاط الحرائق يتجاوز بكثير عدد المناطق التي تشهد تراجعاً فيه.
تأتي هذه النتائج في وقت يثير فيه توقع حدوث ظاهرة “إل نينيو” التي قد تسجل أرقاماً قياسية مخاوف من تفاقم أخطار الظواهر الجوية المتطرفة حتى عام 2027، في حين تواجه برامج المساعدات الخارجية من الولايات المتحدة ودول أخرى تخفيضات قد تهدد التمويل المخصص للأبحاث العلمية والمناخية، بالإضافة إلى برامج مكافحة الحرائق.
يقول المدير المحلي لمعهد الموارد العالمية (WRI) في جمهورية الكونغو، الدكتور جان باكوما، “لا يزال فقدان الغابات مستمراً بوتيرة ثابتة في بعض مناطق حوض الكونغو، بينما أصبحت الحرائق عاملاً متزايد الأهمية في هذه الخسارة”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقالات ذات الصلة، الموضوعة في (Related Nodes field)
يضيف باكوما: “عند احتراق الغابات الأولية والأراضي الخثية في المنطقة، يتحرر الكربون المخزن فيها، مما يعرض المنطقة لخطر التحول من مصرف للكربون إلى مصدر لانبعاثاته. كما أن زيادة نشاط الحرائق قد تؤدي إلى تدهور صحة الغابات وتقليل الموارد الحرجية التي تعتمد عليها المجتمعات المحلية في مختلف أنحاء حوض الكونغو”.
يركز التحليل على حوض الغابات المطيرة في الكونغو، الذي يضم أكبر الغابات المطيرة المحفوظة على مستوى العالم، ويعتبر أكبر مصرف صافٍ متبقي للكربون في المناطق الاستوائية. وقد تمتص هذه المنطقة، في المتوسط، ما يوازي 160 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً بين عامي 2015 و2024، وهي كمية قريبة من الإجمالي الناتج عن نيجيريا.
ساعدت التحديات التنموية المستمرة في العديد من أنحاء المنطقة، إلى جانب السياسات الحرجية التقدمية في دول مثل الغابون، على الحفاظ على الغابات لفترة أطول مقارنة بمناطق أخرى من العالم. ومع ذلك، سجلت الكاميرون في عام 2025 وجمهورية الكونغو الديمقراطية في عام 2024 أرقاماً قياسية في فقدان الغابات خلال العامين الماضيين.
أما الحوض الاستوائي الكبير الآخر في أفريقيا، وهو غابات غينيا التي كانت تمتد في وقت مضى عبر مساحات شاسعة من غرب أفريقيا، فيظهر وضعاً مختلفاً تماماً. فقد أدت تهديدات مثل قطع الأشجار، التوسع الزراعي، التعدين، وتغير المناخ إلى فقدان هذه الغابات نحو 90 في المئة من غطائها الحرجي الأصلي.
رغم اختلاف التاريخ الذي مرت به المنطقتان، يكشف التحليل الجديد عن أن المناطق الحرجية في كليهما تتعرض لارتفاع مقلق جداً في نشاط الحرائق. توضح النتائج كيف أن تجمع آثار الأنشطة البشرية وتغير المناخ تهدد هذه النظم البيئية الحيوية، فضلاً عن تهديدها لسبل عيش السكان.
تشهد جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تضم حوالي 60 في المئة من غابات حوض الكونغو، زيادة في نشاط الحرائق عبر العديد من مناطقها. وقد أظهر تحليل بؤر الحرائق المسجلة بين عامي 2001 و2025 ارتفاعاً ملحوظاً في نشاطها في نحو ثلث أراضي البلاد عند تقسيمه إلى وحدات جغرافية تبلغ كل منها 100 كيلومتر مربع.
بينما تقع بعض بؤر الحرائق في جنوب جمهورية الكونغو الديمقراطية خارج نطاق الغابات الاستوائية، فإن نسبة كبيرة منها تتواجد في حوالي ثلثي أراضي البلاد المصنفة كأراضي حرجية طبيعية.
تظهر نمطاً مشابهاً من زيادة نشاط الحرائق في بلدان أخرى ضمن حوض الكونغو، حيث تسجل ليبيريا وغينيا، اللتان تضمّان مساحات شاسعة من ما تبقى من غابات غينيا العليا المطيرة، نمطاً مماثلاً، إذ يزيد عدد المناطق التي تشهد ارتفاعاً في نشاط الحرائق على عدد المناطق المسجلة التي تشهد تراجعاً فيه.
تقول شيريلي أودايار من منظمة “غرينبيس أفريقيا”: “يجب على الحكومات التحرك بشكل عاجل لوقف إزالة الغابات وتدمير النظم البيئية، والعمل على عكس هذا الاتجاه، بجانب تقليل حرق الوقود الأحفوري. هذه الغابات تدعم ملايين الأنواع من النباتات والحيوانات، وهي موطن للشعوب الأصلية التي حافظت على هذه النظم البيئية لعقود. كما تلعب هذه الغابات دوراً حاسماً في تنظيم المناخ العالمي”.
تستند النتائج المذكورة في هذا التقرير إلى مجموعة متزايدة من الدراسات، بما في ذلك التقرير البارز “حالة حرائق الغابات”، الذي يشير إلى مخاطر الحرائق في الدول الأفريقية ذات الغابات الاستوائية، ليؤكد في نفس الوقت أن انتشار حرائق الغابات يتناقص فعلياً في أجزاء واسعة من بقية القارة.
تحذر دراسات أخرى من أن أعداداً متزايدة من السكان في جميع أنحاء القارة أصبحت معرضة لخطر الحرائق، مع توسع المدن والنمو العمراني إلى المناطق البرية، مما يزيد من احتمال انتقال الحرائق إلى المناطق الحضرية.
في وقت تتزايد فيه الحاجة لتعزيز القدرة على مواجهة الحرائق، أفادت صحيفة “اندبندنت” العام الماضي أن برامج المساعدات الخارجية التي تدعم جهود مكافحة الحرائق في الدول الأفريقية شهدت تخفيضات كبيرة في التمويل. ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى إغلاق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) تحت رئاسة ترامب، والتي كانت تدعم من قبل برامج مكافحة الحرائق في دول أفريقيا، وفقاً لمتخصصين أشارت إليهم الصحيفة.
تزايد المخاوف الإنسانية
يظهر تحليل منفصل أجرته صحيفة “اندبندنت” أن تزايد انتشار الحرائق ينبغي أن يُعتبر تهديداً للصحة وسبل العيش، وليس مجرد مشكلة بيئية.
تشير بيانات من “النظام العالمي للإنذار والتنسيق في حالات الكوارث” (GDACS)، وهو منصة مدعومة من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي لرصد الكوارث التي قد تكون لها تأثيرات إنسانية، إلى أن مئات الآلاف من الأشخاص في بلدان حوض الكونغو يتعرضون لمخاطر الحرائق سنوياً.
تعتمد قاعدة بيانات النظام على مقارنة صور الأقمار الاصطناعية للحرائق مع خرائط توزيع السكان، لتقدير عدد الأشخاص المتأثرين بها.
تقول المديرة المشاركة لمعهد حوض الكونغو في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس (UCLA) إلسا أوردواي: “من الممكن أن يظل التهديد المباشر لحياة البشر محصوراً في مناطق معينة، لكن التعرض للدخان والأضرار المحتملة للمحاصيل وسبل العيش، بالإضافة إلى التداعيات المناخية الطويلة الأمد، قد تؤثر على عدد أكبر بكثير من الناس. ومن المهم أن الأنظمة الحالية للأقمار الاصطناعية قد لا تسجل العديد من الحرائق الصغيرة وتلك التي تشتعل في الطبقات السفلى من الغابات، مما يعني أن حجم المشكلة الظاهر قد لا يعكس حجمها الحقيقي”.
تناقش وسائل الإعلام المحلية من حين لآخر الحوادث التي تهدد حياة السكان وتؤدي إلى تدمير تجمعات سكنية في المناطق الحرجية. على سبيل المثال، أفادت إذاعة “أوكابي” الكونغولية في أغسطس الماضي بأن حريقاً في الأحراج دمر قرية في إقليم كاسونغو، مما ترك عائلات بدون مأوى أو مصادر رزق، وفقاً لما ذكره مدير الإقليم الذي ناشد تقديم مساعدات طارئة. جاء هذا النداء بعد نحو أسبوع من اندلاع الحريق.
في وقت سابق من هذا الصيف، قامت الإذاعة أيضاً بنقل تحذيرات منظمات المجتمع المدني بشأن حرائق الأحراج في كاساي الوسطى وكيفو الجنوبية، غير أن مثل هذه التقارير لا تظهر بانتظام، إذ إن الإبلاغ عن الأضرار التي تلحق بالقرى لا يصل إلى وسائل الإعلام عادة إلا عندما يعلن مسؤولون محليون أو منظمات المجتمع المدني عن حالة الطوارئ.
تعد ممارسات الزراعة القائمة على القطع والحرق من الأسباب الرئيسية لاندلاع الحرائق في حوض الكونغو، وخاصة في جمهورية الكونغو الديمقراطية. تعتبر هذه ممارسة زراعية تقليدية توارثتها الأجيال، ولكن تصاعد الجفاف وارتفاع درجات الحرارة بسبب الاحترار المناخي يزيدان من خطر خروج الحرائق عن السيطرة.
يقول جان باكوما من معهد الموارد العالمية: “يبدو أن الحرائق الطبيعية نادرة نسبياً داخل حوض الكونغو، وأن معظم الحرائق مرتبطة بالأنشطة البشرية، مثل إزالة الأشجار لتهيئة الأراضي للزراعة أو تجديد المراعي خلال موسم الجفاف. تؤدي إزالة الغابات وتغير المناخ إلى خلق ظروف أكثر حرارة وجفافاً، مما يزيد من احتمال انتشار الحرائق”.
يضيف أن آخر الأحداث القوية من ظواهر “إل نينيو” المناخية، التي حدثت خلال عامي 2015 و2016، أدت إلى زيادة خسائر الغابات الناتجة عن الحرائق في جمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو وجمهورية الكونغو الديمقراطية، مما يثير القلق من تكرار هذا في ضوء “إل نينيو الخارقة” المتوقعة هذا العام.
يقول أستاذ علوم التغير العالمي في كلية لندن الجامعية (UCL)، سايمون لويس، إن غابات الكونغو المطيرة كانت تعتبر كثيراً ما “محصنة ضد الحرائق” مقارنة بمناطق أخرى من العالم، لكن هذا الوضع بات مهدداً بالتغير مع ارتفاع حرارة الكوكب.
يقول: “تتمثل القلق في احتمال الوصول إلى نقطة تحول، نتيجة لارتفاع درجات الحرارة وحدوث موجات جفاف شديدة بين حين وآخر، مما قد يسمح باشتعال الحرائق في الغابات المطيرة بحوض الكونغو. ستشكل ظاهرة “إل نينيو” القوية التي ستؤثر في غابات الحوض العام المقبل، وما يصاحبها من ارتفاع إضافي في درجات الحرارة وجفاف شديد، اختباراً حاسماً لمعرفة مدى قابلية هذه الغابات للاشتعال”.
الحاجة إلى مزيد من التمويل للأبحاث العلمية
يحذر المتخصصون من أن نقص الأبحاث العلمية المتعلقة بالكونغو، إلى جانب محدودية التمويل والخبرات المحلية، أدت إلى ضعف دراسة مخاطر الحرائق في حوض الكونغو.
يقول سايمون لويس من كلية لندن الجامعية: “تواجه منطقة الغابات المطيرة في حوض الكونغو نقصاً في المعلومات العلمية والمتخصصين المحليين في تغير المناخ وإزالة الغابات. من الضروري الاستثمار في المنطقة، لأن بقاء غابات حوض الكونغو يعتمد على تزويد سكانها بالمعرفة والأدوات اللازمة لحمايتها، فضلاً عن رغبتهم في القيام بذلك”.
تتفق إلسا أوردواي من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس مع هذا التقييم، مشيرة إلى أن تمويل جهود الوقاية من الحرائق والأبحاث المتعلقة بها لا يزال محدوداً بشدة في المنطقة، وأن هذه القضية تحظى باهتمام أقل بكثير من الحكومات والجهات المانحة والباحثين مقارنة بالحرائق التي تندلع في الأمازون وجنوب شرق آسيا.
تقول أوردواي: “هناك أسباب تدعو إلى القلق الشديد، ومع ضرورة الاعتراف في نفس الوقت بأن حجم الأخطار وطبيعة تطورها لا يزالان غير مؤكدين”. وتضيف أن استمرار هذه الحالة من عدم اليقين يعرضنا لخطر وقوع معاناة إنسانية هائلة، وخسائر فادحة في التنوع البيولوجي، وإطلاق كميات ضخمة من الكربون المخزن في أحد أهم النظم البيئية في العالم.
أُعد هذا المقال في إطار مشروع صحيفة “اندبندنت” بعنوان “إعادة التفكير في المساعدات العالمية” (Rethinking Global Aid)
