نفايات تونس تعيق الحياة وتستنزف الأموال

نفايات تونس تعيق الحياة وتستنزف الأموال
أطلقت منظمات غير حكومية تحذيرات بشأن الأعباء المالية الكبيرة التي تتحملها تونس بسبب أزمة النفايات البلاستيكية، حيث أظهر تقرير صادر عن منظمة “غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” أن البلاد تتحمل سنوياً حوالى 500 مليون دولار أميركي للتعامل مع هذه النفايات، وقد تصل هذه الكلفة إلى 10 مليارات دولار بحلول عام 2040.
وذكر أحد المسؤولين في وزارة البيئة سابقاً أن معدل إعادة تدوير النفايات في تونس لا يزال أقل من 10 في المئة سنوياً. وتوقعات الوزارة أن قطاع النفايات أصبح يمكن أن يكون أحد المحركات للاقتصاد الدائري وتقليل الانبعاثات وتوفير فرص العمل الخضراء.
ووفقاً لتقديرات تتعلق بإسهاماتها المناخية الجديدة، تحتاج تونس إلى نحو 1.5 مليار دولار من الاستثمارات في قطاع النفايات خلال الفترة من 2026 إلى 2035 لتحقيق أهداف تقليص الانبعاثات ذات الصلة بهذا المجال.
وفي سياق مواجهة هذه الأزمة، تم الإعلان عن العديد من المشاريع التي لم يظهر بعد مدى تأثيرها في تقليل العبء المالي الكبير الناتج عن النفايات المنزلية.
في سبتمبر (أيلول) الجاري، تم الإعلان في تونس عن مشروع “صفر نفايات”، وهو مشروع قبله 28 بلدية في إقليم تونس الكبرى الذي يضم ولايات (محافظات) تونس العاصمة، وبن عروس، وأريانة، ومنوبة، بتمويل يقارب 4.9 مليون دولار من مرفق البيئة العالمي. ويركز هذا المشروع على النفايات العضوية والبلاستيكية والكيماوية، مع الهدف من تحويل النفايات من مصدر للتلوث إلى مصدر للدخل وفرص العمل.
مشكلة التهريب
على الرغم من أنه تم إدراج مشاريع ضمن الخطة التنموية 2026–2030 لإنشاء مراكز لمعالجة وتثمين النفايات المنزلية في ولايات صفاقس وجربة وسليانة والمهدية وقفصة، إلى جانب مراكز خضراء للفرز والجمع، إلا أن الانتقادات تتزايد تجاه طريقة الحكومة في إدارة أزمة النفايات، التي ينبغي أن تكون أوسع للحد من تداعياتها المالية الكبيرة على بلد يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية حادة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعد الباحث في الشأن البيئي حمدي حشاد بأن “التحول الذي شهده المجتمع التونسي، الذي أصبح استهلاكياً، أدى إلى ظهور أزمة بيئية تشمل مشكلات في جمع النفايات والتدوير، وأصبح مرتبطاً بحلقات ساهمت في تشكيل أزمة بيئية”.
وأوضح حشاد لـ”اندبندنت عربية” أن “فشل الحكومات المتتالية في معالجة هذه المشكلة بشكل جذري يعود لعدة أسباب، فحتى لو تمكنت تونس من السيطرة على مجالها الحيوي وفرضت سياسات تتعلق بصناعة واستخدام وتدوير البلاستيك، لا تزال هناك معضلة مرتبطة بالتهريب على الحدود مع الجزائر وليبيا”.
وشدد على أن “التهريب يُفشل أي خطط تخص استخدام وجمع وتدوير البلاستيك، خاصة وأن القوانين التي تحكم هذا المجال تختلف من دولة لأخرى، لذا إذا كانت هناك إرادة وطنية لمواجهة هذه الأزمة، يجب توسيع الاقتراب ليشمل تفاهمات مع الدول المجاورة لوضع سياسة موحدة لحل مشكلة النفايات”.
اختناق متزايد
تنتج تونس سنوياً حوالي 3.3 مليون طن من النفايات المنزلية، فيما أنشأت السلطات 17 مصباً مراقباً بطاقة إجمالية تقترب من 2.8 مليون طن. وتظهر بيانات الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات أن حوالي 60 في المئة من النفايات الناتجة يتم التخلص منها في المصبات الحكومية المراقبة، بينما يوجد العشرات من المصبات غير المراقبة وغير المستخدمة.
يقول الباحث السياسي التونسي هشام الحاجي: “للأسف، إن اختناق تونس بالنفايات البلاستيكية يتصاعد بشكل ملحوظ ومخيف نظراً لما تمثله النفايات البلاستيكية من خطر على البيئة والإنسان، وهذا الخطر لا يؤثر فقط على الجيل الحالي، بل يمثل تهديداً للأجيال القادمة”.
وأضاف الحاجي أن “النفايات البلاستيكية تضر بجميع جوانب الحياة، ولا أرى في المستقبل سياسات قادرة على مواجهة خطرها المتصاعد، والعجز عن التصدي له مستمر منذ التسعينات، مما جعله عجزاً هيكلياً ومزمناً”.
أعادت هذه التحذيرات إلى الأذهان الفاعلين في مجال جمع المواد القابلة للتدوير من النفايات، وأبرزهم “البرباشة” الذين يقومون فعلياً بجزء من عملية الفرز المطلوبة من الدولة والاقتصاد الدائري، لكنهم غالباً ما يعملون خارج إطار رسمي شامل.
تُقدّر بيانات البنك الدولي عدد العاملين في هذا القطاع في تونس بحوالي 8000 شخص، مع دعوات ملحة لضرورة دمجهم في نظام تثمين النفايات والتدوير الرسمي وتحسين ظروف عملهم.
ويعتقد هشام الحاجي أن “هذه التحذيرات والمخاوف تعكس عجز المجتمع بأفراده وسلطته، لذا فإن المسؤولية مشتركة بشأن أزمة النفايات في تونس”، موضحاً أن “هناك كميات هائلة من النفايات البلاستيكية يلقي بها المواطنون في الطبيعة، ولا توجد آليات لتدوير النفايات، سواء كانت بلاستيكية أو غير ذلك”.
مع تصاعد التحذيرات حول هذه الأزمة، فإن المعركة المقبلة لتونس ستكون بلا شك حول كيفية تقليل فاتورة النفايات البلاستيكية الضخمة وتحويلها إلى فرصة من فرص الاقتصاد الدائري.
