ثالث فترة جفاف تؤثر على بريطانيا خلال خمس سنوات

ثالث فترة جفاف تؤثر على بريطانيا خلال خمس سنوات

ثالث فترة جفاف تؤثر على بريطانيا خلال خمس سنوات

في تصريح تم إصداره في وقت متأخر من ظهر الأربعاء، أفادت وكالة البيئة البريطانية أن سبع مناطق، من بينها العاصمة لندن، أصبحت رسمياً تحت تأثير الجفاف. وأشارت إلى أنه بالإضافة لهذه المناطق السبع التي تغطي نصف مساحة إنجلترا، توجد مساحات واسعة في وسط وشرق وجنوب البلاد تعاني من ما يُعرف بالجفاف المفاجئ، الذي يحدث بسرعة نتيجة لتقلب الأمطار القليلة مع درجات حرارة مرتفعة.

الإحصائيات التي استندت إليها الوكالة مذهلة بنظر معايير جزيرة اعتادت على الرطوبة. فبعض المناطق لم تستقبل أي أمطار على مدار الخمسين يوماً الماضية، في حين أصبح 78% من أنهار إنجلترا تحت المعدل الطبيعي، وواحد من كل ستة أنهار في حالة انخفاض استثنائي لهذا الوقت من السنة، بينما انخفض مخزون الخزانات إلى 75.3%، أي تحت المعدل الطويل الأمد بمقدار 7.4%.

وفرضت سبع شركات مياه قيوداً مؤقتة على الاستهلاك تشمل 23 مليون مشترك، أي ما يعادل حوالي 40% من سكان إنجلترا، بالإضافة إلى إصدار 1506 أوامر جفاف على تراخيص سحب المياه، وتسجيل 110 حرائق برية في مناطق ذات أهمية علمية خاصة.

ويأتي ذلك بالتزامن مع الموجة الرابعة من الحرارة التي تضرب البلاد هذا العام، بعد ثلاث موجات سابقة، تضمنّت 12 يوماً متتالياً شهدت فيها الحرارة تجاوز 30 درجة مئوية، بينما بلغت معدلات الحرارة اليوم نحو 35 درجة في مناطق جنوب شرق إنجلترا.

قالت هيلين ويكهام، مديرة قطاع المياه في وكالة البيئة ورئيسة المجموعة الوطنية للجفاف، إن البلاد “تستخدم المياه بسرعة تفوق قدرة الطبيعة على التعويض”، مشيرة إلى أن تكرار الجفاف خلال صيفين متتاليين هو وضع خطر ستستمر آثاره طويلاً على البيئة والحياة البرية والاقتصاد. من جهتها، ربطت وزيرة المياه، إيما هاردي، هذا الأمر بتغير المناخ، معتبرة أنه ينبغي على البلاد أن تستعد لهذا “الوضع الطبيعي الجديد”، وموضحة أن هناك استثمارات قياسية في البنية التحتية تشمل تسعة خزانات جديدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقالات ذات الصلة، المدونة في (Related Nodes field)

أزمة وطنية

الأزمة ليست محصورة على إنجلترا فقط. فقد أعلنت هيئة “الموارد الطبيعية” في ويلز قبل أيام أن شمال ويلز ومجرى “السيفرن” الأعلى دخلا في حالة جفاف، بعدما تلقت المنطقة أقل من 2% من أمطارها المتوقعة للشهر. كما انتقلت بقية الأحواض في جنوب غرب ويلز إلى مرحلة “الطقس الجاف الممتد”. وبذلك باتت ويلز جميعها تحت إحكام حالة جفاف رسمية ووشيكة، مع احتمال أن يكون يوليو (تموز) الأكثر جفافاً في تاريخ البلاد منذ حوالي 200 عام. وفي اسكتلندا، حذرت وكالة “حماية البيئة” من أن مناطق واسعة في الشرق والجنوب قد تنتقل إلى مستويات شح حاد خلال أيام ما لم تتواصل الأمطار.

تاريخياً، لا يُعتبر الجفاف طارئاً على بريطانيا بل هو أمر متكرر. فقد حددت دراسات هيدرولوجية ما يقرب من 30 حدثاً جفافياً منذ عام 1798، في حين تعود الأدلة الوثائقية إلى الأربعينيات من القرن الثامن عشر في هذا الشأن، ويعتبر ما يُطلق عليه الباحثون “الجفاف الطويل” بين عامي 1890 و1910 هو الأطول والأشد من حيث العجز المائي التراكمي في إنجلترا وويلز.

يبقى صيف عام 1976 المرجع الذي تقاس عليه جميع الأزمات اللاحقة. بدأ الأمر بصيف جاف عام 1975 تلاه شتاء جاف، ليصبح عام 1976 الأكثر جفافاً منذ الحرب العالمية الثانية، مع أطول موجة حر استمرت 13 يوماً فوق 30 درجة في غرب لندن، وتراجع مخزون الخزانات والأنهار إلى مستويات قياسية. ومرت بعض الأجزاء من الجنوب الغربي بـ45 يوماً بلا أي هطول مطري خلال شهري يوليو وأغسطس، بينما شهدت أنهار “الدون”، “الشيف”، “شاير بروك” و”مييرز بروك” في مدينة شيفلد، نقصاً كاملاً في المياه.

كانت الاستجابة السياسية في ذلك الوقت غير مسبوقة. حيث أقر البرلمان “قانون الجفاف” وتم تعيين النائب دينيس هاول وزيراً للجفاف. كما تم فرض تقنين على المياه، مما أدى إلى إغلاق الشبكة الرئيسية في أكثر المناطق تضرراً، واستُبدلت بصنابير جماعية في الشوارع. ودخل القانون حيز التنفيذ في السادس من أغسطس (آب) مع صلاحيات طوارئ تصل إلى قطع الإمدادات المنزلية والصناعية، وتم توزيع صنبور واحد لكل 20 منزلاً في العديد من الأحياء، بينما كان أمام لندن مخزون قادر على الصمود لمدة 90 يوماً، ولدي ليدز مخزون يكفي لـ80 يوماً في أواخر ذلك الشهر.

تجاوزت تكلفة الجفاف في عام 1976 أكثر من 500 مليون جنيه إسترليني كخسائر للمزارعين، مع ارتفاع أسعار القمح بنسبة 25%، وحدوث تغييرات في توزيع النباتات في جنوب إنجلترا، مما أثر على الأنواع الحساسة للحرارة مثل شجر الزان. وأدت الأزمة إلى تحول جذري في نظرة الحكومة تجاه الجفاف، ودعت إلى إنشاء هيئة وطنية للمياه تكون مسؤولة عن التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى.

بعد حوالي عقدين، عادت التحديات بشكل مختلف، ففي عام 1995 اضطرت شركات المياه في الشمال إلى نقل المياه عبر الصهاريج داخل مناطقها لتلبية الطلب المتزايد، وشهدت خزانات “يوركشير” مستويات حرجة حتى فبراير (شباط) 1996، وتم إصدار 97 أمر جفاف خلال تلك الفترة. وقد اكتسب الطريق السريع (M62) مشهداً استثنائياً حين قُدِّم أحد مساراته لاحتواء صهاريج تنقل مياه الشرب إلى خزان يغذي بلدة “هاليفاكس” التي لم يكن لديها سوى مخزون يكفي لعشرة أيام، في أكبر تعبئة صهاريج بريطانية منذ الحرب العالمية الثانية.

 

دروس مستفادة

ويرى فيليب دافي، الرئيس التنفيذي لوكالة البيئة، أن خمسة عقود من التجارب قد أثمرت عن نظام مختلف. حيث أصبحت خطط الجفاف وإدارة موارد المياه إلزامية قانونياً لشركات المياه منذ مطلع الألفية، ثم جعل قانون الفيضانات وإدارة المياه لعام 2010 وكالة البيئة جهة استجابة من الدرجة الأولى في الطوارئ المدنية. كما تم افتتاح خزانات جديدة، مما أدى إلى تقليل نسبة الفاقد من أكثر من 30% قبل ثلاثة عقود إلى أقل من 20% حالياً.

لكن الصورة ليست مشرقة تماماً، فخلال الثلاثين عاماً من عمر وكالة البيئة، لم يتم الانتهاء من إنشاء أي خزان جديد للمياه العامة، في حين ازداد عدد سكان إنجلترا بمقدار 11 مليون نسمة عن عام 1976، ومن المتوقع أن يزيد العدد بمقدار 8 ملايين آخرين بحلول منتصف خمسينيات القرن. والأكثر سوءاً هو أن استهلاك الفرد اليومي كان أقل من 100 لتر في الستينيات والسبعينيات، بينما أصبح حوالي 140 لتراً حالياً، بينما تستهدف الحكومة تقليصه إلى 110 لترات بحلول عام 2050.

قبل شهرين فقط من هذا الإعلان، كانت الرسالة قد وصلت من البرلمان. ففي 21 مايو (أيار) 2026، نشرت لجنة البيئة وتغير المناخ في مجلس اللوردات تقريراً بعنوان “البقاء من الجفاف: استعادة المطر”، دعت فيه إلى تحسين التخطيط والرصد، والاستثمار في تخزين المياه، وتحديث نظام تراخيص السحب، وإشراك المجتمع بالكامل في خفض الطلب. وشدد التقرير على أن إنجلترا “ليست فقيرة بالمطر” لكنها تفشل في تخزينه وإدارته، محذراً من وجود عجز يصل إلى 5 مليارات ليتر يومياً بحلول عام 2055، ومن أن البلاد قد “تنزلق نحو شح مائي قاتل.”

وطالب التقرير الحكومة بوضع خطة أولويات لحالات الجفاف الطارئة قبل خريف عام 2026، وبتشديد معايير كفاءة المياه في المنازل الجديدة إلى حد أقصى 105 لترات لكل فرد يومياً، وبأن تصبح شركات المياه جهة استشارية قانونية في القرارات التخطيطية الكبرى بما في ذلك مشاريع الإسكان ومراكز البيانات. وقد وافقت الحكومة على 11 من أصل 17 توصية، ووافقت على أربع توصيات أخرى جزئياً.

سجل العام الماضي إنذاراً مبكراً، حيث شهدت إنجلترا أكثر ربيع جفافاً منذ 132 عاماً، وأشد صيف حرارة منذ بدء تسجيل البيانات عام 1884، ولم تتجاوز معدلات الأمطار بين يناير (كانون الثاني) وأكتوبر (تشرين الأول) 83% من المتوسط، بينما أعلنت “المجموعة الوطنية للجفاف” في أغسطس (آب) عن نقص مائي ذو أهمية وطنية. كما كان عام 2025 هو الأكثر دفئاً والأعلى في سطوع الشمس في تاريخ القياسات البريطانية، حيث تم فرض حظر على استخدام الخراطيم شمل حوالي 10 ملايين شخص.

مع إعلان اليوم، تكون بريطانيا قد شهدت ثلاث موجات جفاف في خمس سنوات، في 2022 و2025 و2026، بعد تحول دراماتيكي هذا العام من شتاء شديد الرطوبة إلى صيف حار وجاف. ويشير عالم الأرصاد ويل لانغ إلى أن مؤشرات أوائل أغسطس (آب) تدل على فترات مضطربة قد تجلب أمطاراً محدودة، دون أي علامة على الهطول الواسع المستدام الذي تحتاجه المناطق الأشد تأثراً.

وتؤكد وكالة البيئة أن الاحتياطات الحالية تكفي للأشهر القادمة حتى موسم الأمطار المستدام، شرط أن يقلل الجميع من استهلاكهم ويلتزموا بالقيود المفروضة. ولكن الدرس الأعمق الذي تلخصه خمسة عقود من التجربة هو أن الأزمة لا تبدأ عند توقف الأمطار، بل عندما يتأخر بناء ما يُخزن.

شارك الخبر