التصحر… أزمة جديدة في سلسلة التحديات الاقتصادية والإنسانية في اليمن

التصحر..
تتزايد المخاوف في اليمن من احتمال أن يؤدي الجفاف إلى القضاء على ما تبقى من الأراضي الخضراء نتيجة التصحر الناجم عن التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة وتراجع كميات الأمطار، مما يهدد بتفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتدهورة في بلد يعاني من استنزاف موارده منذ سنوات بسبب النزاعات والحروب.
تشكل الأراضي الصحراوية حالياً حوالي 71.6 في المئة من المساحة الإجمالية للبلاد البالغة نحو 527920 كيلومتراً مربعاً، بينما تواجه 15.9 في المئة من الأراضي مخاطر مرتفعة للتدهور، وفقاً لبيانات البلاغات الوطنية وتقارير مكافحة التصحر.
تشير البيانات الحكومية الخاصة بالتصحر إلى خسارة تتراوح بين ثلاثة إلى خمسة في المئة من الأراضي القابلة للزراعة سنوياً بسبب التغيرات المناخية، والرعي الجائر، وقطع الأشجار، وسوء إدارة الموارد المائية، والحرب.
كما قدرت تلك البيانات تكلفة تأثيرات تغير المناخ في قطاع الزراعة بأكثر من 64 في المئة من مجموع خسائر الاقتصاد اليمني، في حين زادت فجوة الغذاء إلى 40 في المئة.
صرح وزير المياه والبيئة في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، توفيق الشرجبي، بأن التصحر يعد من أخطر التحديات وأكثر الأزمات البيئية التي تواجه البلاد، في ظل ما تعانيه من آثار متزايدة للتغيرات المناخية، مما فاقم مشكلة انعدام الأمن الغذائي والمائي وسط استمرار الصراع في هذا البلد الذي يُعتبر من أفقر الدول العربية.
تقرير الإبلاغ الوطني
على الرغم من المحاولات المستمرة للحد من التصحر، يظهر التقرير الرابع للإبلاغ الوطني لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر لعام 2023 أن اليمن يواجه واحداً من أكبر التحديات البيئية في تاريخه الحديث.
تُظهر خرائط التقرير أن المحافظات الغربية والجنوبية والمرتفعات الجبلية هي الأكثر عرضة لمستويات التدهور العالية، مما يدل على أن بعض المناطق الزراعية الحيوية، مثل محافظتي أبين ولحج في الجنوب، والحديدة في الغرب، أصبحت أيضاً من الأكثر هشاشة بيئياً وزراعياً.
أفادت بيانات التقرير بزيادة نسبة السكان المعرضين لأخطار الجفاف من 12.8 في المئة عام 2015 إلى 20.8 في المئة عام 2023، مما يعني أن حوالي 6 ملايين شخص يواجهون الآن مستويات أعلى من المخاطر المرتبطة بالجفاف.
أشار مدير عام الغابات ومكافحة التصحر بوزارة الزراعة والري والثروة السمكية اليمنية في عدن، فاروق طالب علي، إلى أن أبرز العوامل التي ساهمت في تدهور الإنتاج الزراعي في اليمن تشمل التغيرات المناخية، وإغفال الأراضي الزراعية، والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية مثل المياه والغطاء النباتي والتربة، والاحتطاب الجائر، والفيضانات.
وأضاف أن الأراضي التي كانت ذات يوم مصدر القوة الاقتصادية والغذائية للمجتمع اليمني تواجه الآن ضغوطاً متزايدة نتيجة للجفاف والتغير المناخي والاستهلاك المفرط للمياه الجوفية، بالإضافة إلى التوسع العمراني والاحتطاب الجائر وسوء الإدارة للموارد الطبيعية.
المياه مشكلة كبرى
في إطار الجهود الحكومية لمكافحة التصحر، نفذت وزارة الزراعة من خلال الإدارة العامة للغابات والمراعي ومكافحة التصحر، أنشطة ومشروعات في عدة محافظات تضمنت إنتاج الشتلات وبرامج التشجير بهدف تثبيت الكثبان الرملية الساحلية والداخلية وإعادة تأهيل المدرجات الزراعية.
وأوضح وزير المياه والبيئة اليمني أنه مع تفاقم تأثيرات التغيرات المناخية، يسعى اليمن جاهداً لمواجهة حدة هذه المشكلات من خلال الاستفادة من الاتفاقيات البيئية الدولية، وأهمها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، وبدء تنفيذ مشاريع ممولة من الصندوق الأخضر للمناخ، مما يُساهم في تعزيز الإدارة المستدامة للأراضي والموارد المائية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقالات ذات الصلة، الموضوعة في (Related Nodes field)
ومع ذلك، عاد الوزير ليؤكد أنه رغم هذه الجهود، لا يزال قطاع المياه يواجه تحديات كبيرة، أبرزها محدودية الموارد المائية، والاستنزاف المستمر للمياه الجوفية، والنمو السكاني، وتداعيات التغيرات المناخية، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية نتيجة الظروف التي تمر بها البلاد بالإضافة إلى نقص التمويل.
وأشار إلى أن أزمة ندرة المياه تمثل التهديد الأكبر، حيث يبلغ العجز المائي السنوي نحو 2.6 مليار متر مكعب، مما يجعل العمل المناخي أساسياً لتحقيق السلام والاستقرار المستدام. يصنف البنك الدولي اليمن كواحدة من أكثر دول العالم معاناة من نقص المياه.
التغيرات المناخية
يعتقد الصحافي الاستقصائي المختص في قضايا المناخ والبيئة، بسام القاضي، أن ارتفاع درجات الحرارة والجفاف يمثلان واحداً من أخطر التهديدات التي تواجه القطاع الزراعي والموارد المائية في اليمن، في وقت تشير فيه البيانات الوطنية والدولية إلى تزايد سرعة تدهور الأراضي وانخفاض الموارد الطبيعية.
وأكد القاضي، وهو رئيس مؤسسة الصحافة الإنسانية في عدن، أن الجفاف وارتفاع درجات الحرارة يسهمان أيضاً في استنزاف المياه الجوفية وتسريع تدهور الأراضي الزراعية، حيث تشير البيانات إلى أن نحو 71.6 في المئة من مساحة اليمن تعاني بالفعل من التصحر، بينما تواجه 15.9 في المئة من الأراضي مخاطر مرتفعة للتدهور.
تشير أحدث الإحصائيات الزراعية إلى أن أكثر من 26 مليون رأس من الثروة الحيوانية في اليمن تعتمد على المراعي الطبيعية، وأن تدهور هذه المراعي نتيجة للجفاف وارتفاع الحرارة يهدد قطاعاً حيوياً يوفر الغذاء والدخل لملايين السكان، مما يجعل الاستثمار في استعادة الأراضي المتدهورة، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتعزيز إجراءات التكيف المناخي، ضرورة ملحة وليست خياراً يمكن تأجيله.
