
دمشق تبادر لإتلاف بقايا المواد النووية في سوريا بالتعاون مع الوكالة الدولية صحيفة الحرية
الحرية – دينا الحمد:
بادرت سوريا إلى إغلاق ملف إرث البرنامج النووي الذي خلفه النظام البائد، عبر مسار وطني طوعي قائم على الشفافية والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تمهيداً لإنهاء ملف عدم الامتثال، وفتح المجال أمام الاستخدامات السلمية.
وذكرت الوكالة العربية السورية للأنباء «سانا» أن زيارة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي إلى سوريا يومي 17 و18 آب الجاري، اختصرت مساراً وطنياً واضحاً بادرت إليه دمشق لإتلاف بقايا البرنامج النووي السوري الموروث عن النظام البائد.
مسؤولية وطنية
وقد اختارت الدولة السورية الجديدة التعامل مع الملفات الموروثة عن النظام البائد انطلاقاً من مسؤوليتها الوطنية، بعيداً عن سياسة الإخفاء والمراوغة التي طبعت التعامل السابق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفي مقدمتها ملف النووي غير المعلن، لتصل إلى إعلان سيادي طوعي عن موقع ومواد نووية لم تكن معلنة سابقاً، ودعوة فرق الوكالة إلى المعاينة والتحقق منها ميدانياً.
وينسجم هذا التوجه مع حرص سوريا على السلامة والأمن والاستقرار بوصفه الدافع الأساسي وراء التعامل مع هذا الملف، باعتباره إرثاً يحتاج إلى معالجة مهنية وشفافة، وفق سيادة الدولة الكاملة على أراضيها، إذ بادرت دمشق إلى التعاون مع الوكالة الدولية بوصفها الجهة الدولية المختصة لإجراء التقييمات الفنية والتحقق من طبيعة المواقع والمواد، وتحديد أفضل السبل لمعالجتها وفق الالتزامات الدولية.
ويبرز في هذا المسار عنصران أساسيان: الكشف عن موقع المفاعل النووي المدمر في دير الزور، والعثور على مواد نووية مرتبطة بإرث النظام البائد، وهو ما أدى في عام 2011 إلى اعتبار سوريا في حالة عدم امتثال لاتفاق الضمانات المبرم مع الوكالة بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
الكبر.. ملف يُطوى بجهد وطني
ويعود جذر ملف موقع «الكبر» شرق دير الزور، الذي عمل النظام البائد على إنشائه كمفاعل نووي غير مصرح به للوكالة الدولية للطاقة الذرية، قبل أن تكتشفه إسرائيل وتقصفه عام 2007. ويتألف الموقع من بناء يرتفع 45 متراً فوق الأرض ويمتد 5 طوابق تحتها. وبعد 4 سنوات، كشفت تقارير أن المنشأة كانت مرتبطة بمفاعل لإنتاج البلوتونيوم وغير معلنة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو ما دفع الوكالة إلى تصنيف سوريا حينها دولة «غير ممتثلة» لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية.
كما عمد النظام البائد إلى نقل مواد نووية بين أكثر من موقع داخل البلاد عدة مرات، آخرها عام 2013، وبقي الملف مجمداً حتى سقوطه.
محطة رئيسة في مسار المعالجة
واليوم، يشكل الكشف عن موقع المفاعل المدمر والعثور على مواد نووية مرتبطة بإرث البرنامج السابق، بالتعاون مع الولايات المتحدة والوكالة، محطة أساسية في مسار معالجة هذين العنصرين الأساسيين اللذين استندت إليهما صفة عدم الامتثال، بمبادرة سورية وجهد وطني، وضمن تعاون فني مع الشركاء الدوليين، وهو ما يفتح الباب أمام رفع هذا التصنيف والانتقال إلى التطبيقات السلمية.
أهمية زيارة غروسي
ورسمت الدولة السورية منذ كانون الثاني 2025 مساراً تصاعدياً ومتدرجاً مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بدأ مع أول اتصال بين سوريا والمدير العام للوكالة، لتتوالى بعد ذلك خطوات فنية وسياسية عكست انتقال العلاقة إلى مستوى مختلف جوهرياً عن مرحلة ما قبل التحرير، وتمثل أبرز محطاته:
كانون الثاني 2025: أول اتصال بين الحكومة السورية والمدير العام غروسي، إيذاناً بمسار جديد قوامه التعاون بدل القطيعة.
نيسان 2025: زيارة فريق تقني من الوكالة وتقييم مستشفى البيروني وخدمات المعالجة الشعاعية فيه، كأول تجسيد للبعد الصحي الإنساني للتعاون.
حزيران 2025: زيارة غروسي وأخذ عينات للتحليل من مواقع ذات صلة، إلى جانب توقيع مذكرة تفاهم في مجالي الصحة والزراعة مع وزير الخارجية.
أيلول 2025: صدور تقرير للمدير العام يوثق التقدم المحرز في التعاون.
تشرين الأول 2025: انطلاق مباحثات تحويل قلب المفاعل النووي من اليورانيوم عالي التخصيب إلى منخفض التخصيب، ضمن منحة أمريكية غير مشروطة، تجسيداً لجهود سوريا في خفض المخاطر المرتبطة بالأمن النووي.
آذار 2026: دخل التعاون مرحلة أكثر ارتباطاً مباشراً بإرث البرنامج النووي السابق، بعد اكتشاف هيئة الطاقة الذرية السورية مواد نووية مشتبه بها في مواقع عسكرية وغير عسكرية، وبدء المعالجة الوطنية للمسألة فور اكتشافها.
نيسان 2026: زار نائب المدير العام للوكالة دمشق، ومُنح أربعة مفتشين دوليين تأشيرات استثنائية متعددة الدخول لمدة ستة أشهر، بالتوازي مع بلورة خارطة طريق عامة للتعاون.
أيار 2026: أنجزت هيئة الطاقة الذرية تقييماً هندسياً وخطة للتنقيب في موقع دير الزور.
حزيران 2026: التوصل إلى اتفاق إطاري في فيينا، وإنشاء آلية تمويل من الوكالة لدعم أعمال التنقيب.
14 تموز 2026: زيارة المدير العام غروسي إلى دمشق.
17 تموز 2026: توجيه سوريا رسالتها الرسمية إلى الوكالة، معلنة طوعاً عن الموقع والمواد غير المعلنة سابقاً، وداعية إلى المعاينة والتحقق منها ميدانياً.
23 تموز 2026: وقع الجانب السوري اتفاق التنقيب في موقع دير الزور.
17 و18 آب 2026: التحضير لزيارة ميدانية للموقع يقودها المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية شخصياً، ضمن خطة تفتيش أولية محكمة تُبرز كفاءة الجانب السوري وقدرته على التعامل المباشر مع الملف وتنفيذ ما يلزم.
إغلاق ملف عدم الامتثال
وتمثل دورة مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية المقررة في أيلول 2026 الأفق الذي تعمل عليه سوريا لإغلاق ملف عدم الامتثال الموروث عن النظام البائد وتثبيت امتثالها الكامل لمعاهدة منع الانتشار النووي، إذ من المتوقع أن يطلع المجلس، عبر تقرير المدير العام، على التقدم الجوهري المحرز خلال نحو 19 شهراً.
وبحسب الرسائل الرسمية، فإن حل ملف عدم الامتثال بات مبرره القانوني منتهياً، وتعمل الحكومة السورية مع شركائها الدوليين على إنهائه ضمن مجلس المحافظين، بما يفتح الباب أمام دورة سورية جديدة كاملة في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، تشمل قطاعات الكهرباء والطب والغذاء، وتسهم في جهود إعادة الإعمار والتعافي.
وتؤكد هذه المحطات، منذ بداية مسار التعاون في كانون الثاني 2025، أن معالجة هذا الإرث جاءت بمبادرة سورية خالصة ومسار طوعي، بينما يمثل التعاون الدولي دعماً للجهد الوطني وخدمة للمصالح المشتركة.
فتح باب الاستخدامات السلمية
يذكر أن دمشق تؤكد أن وجود بقايا المواد النووية على الأراضي السورية، والمرتبطة بإرث النظام البائد، لا يخرجها بأي شكل عن سيادة الدولة السورية، وأن من حق سوريا وحدها التعامل معها للاستخدامات السلمية والطبية وفي مجال الطاقة، وذلك ضمن نظام الضمانات المرتبط بالوكالة الدولية للطاقة الذرية والأطر القانونية الدولية ذات الصلة.
وقد جرى، بالتعاون مع الولايات المتحدة، العثور على مواد نووية غير خطيرة في سوريا مرتبطة بإرث النظام البائد، على أن يكون التعامل معها سورياً بامتياز، بما يحفظ السيادة الوطنية ويخدم المصلحة العليا للبلاد ضمن الإطار القانوني للوكالة.
وبذلك، يمثل مسار التعاون السوري مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية انتقالاً من إرث إلى معالجة مؤسسية تستند إلى الشفافية والسيادة والتعاون الفني، بمبادرة سورية خالصة، ما يمهد لإغلاق ملف عدم الامتثال نهائياً، وفتح صفحة جديدة أمام الاستخدامات السلمية للطاقة النووية في سوريا.
