أعوام صعبة تترقب القارة القديمة وتلوح بخطر على اقتصاداتها

أعوام صعبة تترقب القارة القديمة وتلوح بخطر على اقتصاداتها
شهدت أوروبا أحر شهري يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) منذ بدء القياسات، حيث وصل متوسط الحرارة في الشهرين إلى 21.62 درجة، أي حوالي 2.8 درجة أعلى من المعدل المعتاد، متجاوزاً الرقم القياسي السابق المسجل في عام 2022، وفقاً لخدمة “كوبرنيكوس” لتغير المناخ. وفي يونيو وحده، كان المتوسط الأوروبي أعلى بأكثر من ثلاث درجات عن المعدل طويل الأمد، ولم تتوقف موجات الحر منذ ذلك الحين.
بدأت السلسلة مبكراً بشكل غير معتاد، حيث انطلقت الموجة الأولى في 22 مايو (أيار)، وسجلت بلدة “مورا” البرتغالية 40.3 درجة بعد خمسة أيام، وهو أعلى رقم في الموجة. واستمرت موجات الحر في تحطيم الأرقام القياسية في إسبانيا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيرلندا. وفي أواخر يونيو، تجاوزت الحرارة في وسط القارة كل السجلات، حيث وصلت إلى 41.9 درجة في قرية دوكسـاني شمال براغ، وهو أعلى رقم في تاريخ التشيك، بينما ارتفعت الحرارة في بعض المناطق إلى 18 درجة فوق المعدل الموسمي بسبب نمط جوي يُعرف بـ”إعصار أوميغا” الذي يحتجز الهواء الحار القادم من شمال أفريقيا فوق القارة.
لم يكن ارتفاع الحرارة وحده، بل رافقه جفاف واسع، حيث انخفض منسوب نهر الراين عند نقطة كاوب، أضيق مقاطعه، إلى أدنى مستوى منذ بدء التسجيل في عام 1880. وتوقعات تشير إلى أن الأزمة ستستمر حتى أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، لأن عودة المنسوب تتطلب عدة أسابيع من الأمطار المتواصلة. ويستوعب نهر الراين في الظروف العادية نحو 80 في المئة من حركة الشحن النهري الألماني، وتمر عبره سنوياً حوالي 285 مليون طن من البضائع، في حين وصف رئيس اتحاد الملاحة الداخلية الألمانية الوضع بأنه قد يكون حدثاً يتكرر مرة كل قرن.
كان الأثر الاقتصادي فورياً، حيث قيدت حمولات ناقلات المنتجات النفطية أحياناً عند 300 إلى 400 طن فقط، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الشحن إلى 200 يورو للطن بين “كارلسروه” والموانئ في أمستردام وروتردام وأنتويرب. ويفيد كبير الاقتصاديين في مصرف “كوميرتس بنك”، رالف زولفين، أن استمرار منسوب المياه عند مستوياته الحرجة حتى منتصف سبتمبر (أيلول) سيؤدي إلى تقليص الناتج المحلي الألماني بحوالي 0.35 نقطة مئوية في هذا الربع.
يعتبر نهر الدانوب ثاني أطول أنهار أوروبا، ويعبر عشرة دول من ألمانيا حتى البحر الأسود. لجأت رومانيا إلى تفجيرات محكومة في قاع النهر بالقرب من قرية إيزفواريلي في بداية أغسطس (آب) الجاري لتعميق المجرى وتوجيه المزيد من المياه نحو أنظمة تبريد محطة “تشرنافودا” النووية. كما اضطرت كل من المجر ورومانيا إلى إيقاف مفاعلات نووية تعتمد على مياههما مؤقتاً، بعدما بلغ انحسار النهر حدّاً صار معه مرئياً من الفضاء.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقالات ذات الصلة، الموضوعة في (Related Nodes field)
حرائق وضحايا
سجل النظام الأوروبي للمعلومات حول حرائق الغابات حوالي 600 ألف هكتار محترق داخل الاتحاد عبر 1647 حريقاً حتى 13 أغسطس الجاري. ووفق موقع “كاربون بريف”، سجلت فرنسا رقماً قياسياً حديثاً في المساحة المحترقة، بينما كان موسم الحرائق في إسبانيا من بين الأسوأ في تاريخها، مما أدى إلى تهجير أكثر من ثلث مليون شخص في جنوب غرب القارة. وفي منطقة “ألمرية” في جنوب إسبانيا، أدى حريق واحد إلى وفاة ما لا يقل عن 14 شخصاً، معظمهم من الأجانب، في أسوأ حصيلة لحريق في إسبانيا منذ حوالي 20 عاماً.
تأتي هذه الأرقام بعد عام كان الأسوأ أصلاً، حيث دمرت الحرائق في دول الاتحاد عام 2025 أكثر من مليون هكتار، أي ما يعادل تقريباً مساحة قبرص، وهو أعلى عدد سجلته النظام منذ 2006، ويمثل ضعف المعدل السنوي للفترة بين 2006 و2024، مع أرقام قياسية مطلقة في ألمانيا وإسبانيا وقبرص وسلوفاكيا.
الحصيلة البشرية كانت الأكثر ثقلاً، حيث أبلغت دول أوروبية عن أكثر من 10 آلاف حالة وفاة خلال موجات الحر الشديدة في أواخر يونيو وحده. وقدر باحثون من “إمبريال كوليدج لندن” ومدرسة لندن للصحة وطب المناطق الحارة ومكتب الأرصاد البريطاني أن موجتي مايو ويونيو تسببتا في وفاة 2700 شخص في المملكة المتحدة، وأن التغير المناخي كان مسؤولاً عن 59 في المئة من وفيات الموجة الأولى و38 في المئة من وفيات الثانية.
نمط مشابه تكرر في الأعوام السابقة، حيث أظهرت أول دراسة سريعة من نوعها أن حوالي 1500 من 2300 وفاة حرارية متوقعة في موجة يونيو 2025 عُزيت إلى التغير المناخي، مما يعني أن حصيلة الوفيات تضاعفت ثلاث مرات، وأن من تجاوزوا 65 عاماً شكلوا 88 في المئة من الضحايا. وبحلول سبتمبر من ذلك العام، قدر العلماء أن نحو 16500 شخص ربما قضوا نتيجة التغير المناخي خلال ذلك الصيف، أي حوالي 68 في المئة من إجمالي وفيات موجات الحر.
الزراعة والطاقة
كانت الزراعة في المقدمة، حيث رصدت مبادرة “الإسناد العالمي للطقس” خسائر تاريخية شملت أدنى محصول ذرة تسجله فرنسا منذ 50 عاماً، فضلاً عن فقدان أكثر من مليون هكتار من الذرة في رومانيا، محذرة بأن ذلك قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء ويؤثر بشكل غير متناسب على الأسر ذات الدخل المنخفض.
كما قللت وزارة الزراعة الإسبانية توقعاتها لمحصول الحبوب لموسم 2026 و2027 من 24 مليون طن إلى ما يزيد قليلاً على 18.5 مليون طن، بينما خفض الاتحاد الأوروبي تقييماته لعدد من المحاصيل، بما في ذلك عباد الشمس بنسبة سبعة في المئة والذرة الحبيّة ستة في المئة والبطاطا بثلاثة في المئة. وتشير تقديرات القطاع إلى أن محصول الذرة في الاتحاد قد ينخفض إلى أقل من 50 مليون طن مقارنة بحوالي 57 مليوناً في الموسم السابق، وهو أدنى مستوى منذ موسم 2007 و2008. في فرنسا، تستعد مناطق الشمبانيا وبوردو وبورغوندي لأبكر موسم قطاف عنب مسجل، حيث بدأ في منتصف أغسطس بدلاً من منتصف سبتمبر تقريباً.
في مجال الطاقة، تشير مؤسسة “إمبر” المتخصصة إلى أن موجات يونيو ويوليو رفعت الطلب على الكهرباء لأغراض التبريد، وعرقلت في ذات الوقت توليد الطاقة النووية والغازية والفحمية والكهرومائية. كما سجل إنتاج الاتحاد من الطاقة المائية أدنى مستوى له منذ عقد على الأقل في هذه الأشهر الثلاثة، مع تراجع سبع من أكبر ثماني دول منتجة دون متوسطاتها الخمسية. وبلغت أسعار الكهرباء لليوم التالي في إيطاليا وإسبانيا أعلى مستوياتها منذ أزمة الغاز في شتاء 2022 و2023، بينما ساهم الإنتاج الشمسي القياسي في تجنب انهيار الشبكة نهاراً، وتركزت الأزمة في ساعات المساء.
في فرنسا، التي سجلت في 23 يونيو أعلى حرارة منذ بدء السجلات في عام 1947، متجاوزة 44 درجة، توقفت وحدة في محطة “غولفيش” النووية في جنوب البلاد، وخفضت وحدات أخرى من إنتاجها بسبب ارتفاع حرارة مياه الأنهار المستخدمة في التبريد، فيما أعلنت خمس محطات غاز بريطانية خفض إنتاجها بمجموع حوالي 2.5 غيغاواط.
الترجمة المالية
بدأت الترجمة المالية لكل ما سبق في الظهور. تقدير حديث لمصرف “تريودوس” الهولندي يحدد الكلفة التراكمية للحر الشديد والحرائق في اقتصادات الاتحاد عند 180 مليار يورو خلال عام 2026، أي نحو واحدة في المئة من الناتج المحلي، وهو رقم يكاد يمحو النمو المتوقع للتكتل هذا العام والبالغ 1.1 في المئة. وتوزع الخسائر على أربع قنوات: انخفاض المحاصيل وإنتاج الألبان وارتفاع أسعار الغذاء بنحو 0.15 في المئة، وتقييد توليد الطاقة النووية والمائية والحرارية وارتفاع أسعار الكهرباء بين 0.12 و0.15 في المئة، واضطراب النقل عبر السكك الحديدية والطرق والممرات المائية بنسبة 0.15 في المئة، بينما تبقى إنتاجية العمل أكبر القنوات وأصعبها قياساً.
وفق دراسة “أليانز تريد”، تتراجع إنتاجية العمل نحو ثلاثة في المئة عن كل درجة إضافية فوق 30 درجة مئوية، بينما يرتفع الطلب على الطاقة بنسبة 1.2 في المئة لكل درجة. في سيناريو ضغط يعيد تشغيل الأعوام الخمسة الأشد حرارة في كل دولة بين 2014 و2024 تصاعدياً على مدى 2026 إلى 2030، تصل الخسائر التراكمية إلى ما بين خمسة وسبعة في المئة من الناتج في أكثر الاقتصادات انكشافاً، أي نحو 240 مليار دولار لفرنسا و147 ملياراً لإيطاليا و131 ملياراً لألمانيا و120 ملياراً لإسبانيا، مع تآكل في الإيرادات الضريبية بنسبة 1.8 في المئة سنوياً في فرنسا و1.3 في المئة في إيطاليا وإسبانيا.
تتوافق هذه التقديرات مع ما أشار إليه كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، فيليب لين، في مؤتمر عُقد في فرانكفورت في مايو، حول أن ظاهرة الاحترار وتزايد الظواهر المتطرفة تسببان أضراراً اقتصادية جسيمة، وأن أبحاثاً جديدة تشير إلى أن نصيب الفرد من الناتج العالمي كان سيصبح أعلى بأكثر من 20 في المئة لو لم يحدث احترار بين عامي 1960 و2019.
حسب الهيئة الأوروبية للتأمين ومعاشات العمل، كان مؤمناً فقط حوالي ربع الخسائر الناجمة عن الظواهر المتطرفة في أوروبا بين 1980 و2024، مما يعني أن المواطنين سيضطرون لتحمل أقساط أعلى أو سيتحملون حصة أكبر من تكلفة الكوارث بأنفسهم. وحذر اتحاد شركات التأمين الألماني من أن أقساط التأمين على الممتلكات قد تتضاعف خلال عقد بسبب المطالبات المرتبطة بالمناخ، مما قد يجعل التأمين، إلى جانب القروض العقارية، غير متاح في المناطق ذات المخاطر العالية إذا انسحب المؤمّنون أو أدرجوا استثناءات جديدة.
قطاع السياحة يقوم بإعادة ترتيب موسمه، حيث زادت حجوزات أحد كبار منظمي الرحلات إلى أيسلندا بنسبة 22 في المئة وإلى النرويج بنسبة 30 في المئة لصيف 2026، بينما شهدت وجهات شمالية ووسط شرق أوروبية زيادة في الوافدين، مثل فنلندا بنسبة 14.1 في المئة والنرويج بنسبة 12.9 في المئة وبولندا بنسبة 12 في المئة. لكن المسح الذي أجرته اللجنة الأوروبية للسياحة لعام 2026 يظهر أن جنوب أوروبا والبحر الأبيض المتوسط لا يزالان الوجهة الأولى بنسبة 60 في المئة من المسافرين، مما يعني أن التحول تدريجي وليس جذري.
أعوام عجاف
السؤال الأهم يبقى: ماذا لو تكرر هذا الصيف؟ تجيب مبادرة “الإسناد العالمي للطقس” بأن جفاف التربة الذي شهدته أوروبا الغربية بين أبريل (نيسان) ويونيو أصبح أكثر احتمالاً بخمس مرات مقارنة بمناخ أبرد بمقدار 1.4 درجة، بينما أصبح جفاف شرق أوروبا بين يناير (كانون الثاني) ويونيو أكثر احتمالاً بنحو 11 مرة، وأن ظروف “التبخر النتحي” الشديدة التي رُصدت في الغرب باتت أكثر احتمالاً بنحو 80 مرة، وفي الشرق بنحو 40 مرة. والأخطر أن ارتفاع قدرة الجو على سحب الرطوبة قد أزاح عتبة الجفاف نفسها، مما يعني أن عجز الأمطار الذي لم يكن ليستدعي جفافاً في السابق قد أصبح كافياً لإنتاجه اليوم، وأن موجات ذات الندرة نفسها كانت ستؤدي إلى ظروف ” معتدلة” أو “شديدة” فقط في مناخ أبرد بمقدار 1.4 درجة، بدلاً من الظروف المتطرفة والاستثنائية المسجلة حالياً.
على المدى الطويل، تتراكم الأرقام، فقد كلفت الظواهر المتطرفة دول الاتحاد حوالي 822 مليار يورو بين عامي 1980 و2024، وجاءت الأعوام الأربعة الأخيرة كلها ضمن الأعوام الخمسة الأكثر كلفة. وتقدر الوكالة الأوروبية للبيئة أنه في حال عدم اتخاذ إجراءات تحويلية حاسمة، سيواجه الاتحاد والمملكة المتحدة خسارة رفاه سنوية لا تقل عن 175 مليار يورو، أي 1.38 في المئة من الناتج، عند ارتفاع درجة الحرارة العالمية بمقدار ثلاث درجات، مقابل 83 مليار يورو عند درجتين، على أن تتجاوز الخسائر في جنوب أوروبا 2.5 في المئة من الناتج سنوياً. كما تضيف الوكالة أن أسعار الغذاء قد ترتفع بنسبة 20 في المئة بحلول عام 2050، وأن خسائر الفيضانات الساحلية وحدها قد تتجاوز تريليون يورو سنوياً بحلول عام 2100، وتؤثر على 3.9 مليون شخص كل عام.
وفقاً للتقييم ذاته، فإن 34 من أصل 36 من هذه الأخطار قد تصل إلى مستويات حرجة أو كارثية خلال هذا القرن في سيناريو احترار مرتفع من دون اتخاذ إجراءات تكيف إضافية. والسبب أن أوروبا تُعتبر القارة الأكثر احتراراً في العالم، حيث بلغ معدل ارتفاع حرارتها منذ ثمانينيات القرن الماضي نحو ضعف المعدل العالمي.
تشير مبادرة “الإسناد العالمي للطقس” إلى أن الاستجابة الأوروبية للجفاف ما زالت متفاوتة، حيث إن خطط إدارة الجفاف ليست إلزامية بموجب توجيه إطار المياه، مما ينتج تبايناً في الجاهزية بين الدول الأعضاء، وتدعو إلى سياسة حوكمة موحدة للجفاف إلى جانب استراتيجية لتحقيق المرونة المائية. تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن إجراءات التكيف قد تخفض خسائر الإنتاجية بنسبة 40 في المئة، لكنها لن تلغيها.
الخلاصة التي تجمع هذه المصادر هي أن عاماً كعام 2026 لم يعد حدثاً استثنائياً يمكن تجاوزه بمساعدات طارئة وموسم أمطار جيد، بل أصبح نموذجاً أولياً لعقد كامل. وإذا تحقق سلسلة من هذه الأعوام، فإن الأثر لن يقتصر على فواتير الكهرباء وأسعار زيت الزيتون، بل سيمتد إلى قدرة الدول على تمويل موازناتها، وإمكانية تأمين المنازل في مناطق بأكملها، وإلى الخريطة الاقتصادية للقارة بأسرها، حيث يخسر الجنوب أكثر مما يخسر الشمال.
