الفضاء السيبراني.. ساحة حرب خفية في الصراع الأمريكي الإيراني

الفضاء السيبراني.
وجهت وزارة العدل الأمريكية مؤخرا اتهامات إلى 17 إيرانياً على صلة بمعهد “مبنا” الإيراني، بتنفيذ عمليات قرصنة استهدفت 144 جامعة أمريكية و178 جامعة في دول أخرى، إضافة إلى أكثر من 100 ألف حساب لأكاديميين حول العالم. وفق الادعاء الأمريكي يعمل المتهمون لصالح الحرس الثوري وجهات حكومية وجامعات إيرانية، وتمكنوا من اختراق نحو ثمانية آلاف حساب وسرقة ما لا يقل عن 31,5 تيرابايت من البيانات. وتشير الاتهامات الجديدة الموجهة إلى إيران، منذ بداية الضربات الأمريكية الإسرائيلية ضدها، إلى أن الفضاء السيبراني أصبح ساحة رئيسية للصراع بين الطرفين، إلى جانب المواجهات السياسية والعسكري.
بين أهداف استخباراتية واقتصادية
باتت طهران تقود “حملة واسعة ومنظمة لسرقة البيانات” والأبحاث والملكية الفكرية من جامعات وشركات ووكالات حكومية، “تهدف عبرها إلى تقليص الفارق العسكري والتكنولوجي الكبير بينها وبين خصومها”، وفق ما جاء في تقرير نشره موقع “غلوبال ووتش عربية” الفرنسي. ويرى التقرير المذكور أن أهمية القضية التي كشفت عنها وزارة العدل الأمريكية، لا تكمن في حجم القرصنة وحده، بل في طبيعة الوظيفة التي تؤديها بأهداف مختلفة. أولها الوصول إلى أبحاث علمية متقدمة، ما قد يختصر سنوات من البحث والتطوير.
إلى جانب ذلك تسعى طهران من خلال ذلك إلى تحقيق أهداف اقتصادية من شأنها أن تساهم في تخفيف ضغوطات العقوبات والقيود. فالحصول على معلومات استخباراتية حساسة من مؤسسات حكومية، يمكنه تحويل البيانات المسروقة إلى مورد استراتيجي يرفد الاقتصاد والصناعة والبرامج التقنية. وتتيح هذه المساحة تنفيذ عمليات ذات أثرٍ استراتيجي دون الوصول إلى عتبة تستدعي بالضرورة ردّاً عسكرياً مباشراً.
ولا تحتاج جاذبية الأداة السيبرانية بالنسبة لطهران، وفق التقرير، إلى امتلاك قوات جوية أو بحرية تضاهي نظيرتها الأمريكية حتى تتمكن من إلحاق أضرار بمؤسسات أمريكية أو الوصول إلى معلومات حساسة، لافتا إلى أنه يمكن لمجموعة صغيرة من القراصنة، إذا امتلكت المهارات والبنية التحتية اللازمة، استهداف مؤسسة ضخمة بكلفة أقل بكثير من تكلفة عملية عسكرية تقليدية.
ولا تقتصر المكاسب على التجسس، فسرقة الأبحاث والبرمجيات والمخططات الهندسية يمكنها أن توفر لطهران موارد يصعب الحصول عليها عبر القنوات التجارية بسبب العقوبات، بينما يمكن استخدام البيانات الحكومية والشخصية في عمليات استخبارية أو ضغط سياسي.
شبكة معقدة
في الولايات المتحدة لا يسود اعتقاد بأن معهد “مبنا” هو الجهة الوحيدة التي تدير الأنشطة السيبرانية الإيرانية، بل يعتقد بوجود منظومة جرى بناؤها في السنوات الأخيرة تضم مجموعات متعددة تعمل بأهداف وأساليب متعددة. بعض منها أورده موقع “غلوبال ووتش عربية” الفرنسي، متحدثا في تقريره عن مجموعة APT35 المعروفة أيضاً باسم “Charming Kitten” والتي ركزت على عمليات التصيد والهندسة الاجتماعية واستهداف شخصيات سياسية وأكاديمية وصحافيين.
إلى جانب ذلك، هناك مجموعة MuddyWater التي ارتبط نشاطها بعمليات استهدفت مؤسسات وبنى تحتية في دول عدة، ونسبت جهات غربية نشاطها إلى وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية. واستخدمت الشبكة أساليب التصيد الإلكتروني وسرقة بيانات الدخول للوصول إلى الحسابات الأكاديمية، ثم نقل المواد المسروقة إلى خوادم خاضعة لسيطرة أفرادها. ولم تكن العملية موجهة حصراً لخدمة أغراض استخبارية؛ فقد أشارت وزارة العدل الأمريكية إلى بيع جزء من المواد المسروقة عبر مواقع إلكترونية داخلإيران.
تغرة صغيرة بـ “فوائد جمّة”
تظهر هذه التفاصيل كيف يمكن أن تتحول القرصنة إلى منظومة تجمع بين التجسس والربح والوصول إلى المعرفة المحظورة. فالمعلومات الحكومية لها قيمة استخبارية، والأبحاث تحمل قيمة علمية واقتصادية، فيما يمكن أن تتحول بيانات الشركات إلى أداة ابتزاز أو مكسب مالي. كل هذا دليل على أن الفضاء السيبراني أصبح ساحة متعددة الاستخدامات، تستطيع فيها الجهة نفسها الانتقال من التجسس إلى الابتزاز أو التخريب بحسب طبيعة الهدف.
ومن تمّ يستخلص التقرير إلى أن ما كشفت عنه وزارة العدل الأمريكية مؤخرا، مؤشر على انتقال الصراع الأمريكي-الإيراني إلى ساحة لا توجد فيها حدود واضحة بين التجسس والاقتصاد والأمن والتكنولوجيا. وأكد أنه في هذه الحرب، لا تحتاج الدولة الأضعف تقليدياً إلى تحطيم منظومة خصمها بالكامل. يكفيها العثور على ثغرة واحدة داخلها. ومن هنا تأتي أهمية الفضاء السيبراني بالنسبة إلى إيران في كونه لا يلغي فجوة القوة، لكنه يمنحها وسيلة منخفضة الكلفة لاستغلال هذه الفجوة وتحويل بعض عناصر التفوق الغربي، خصوصاً المعرفة والتكنولوجيا والبيانات، إلى أهداف يمكن اختراقها والاستفادة منها.
مراجعة: طارق أنكاي
