“السلاحف الضائعة” تسعى للبحث عن ملاذ في مياه السعودية

"السلاحف الضائعة" تسعى للبحث عن ملاذ في مياه السعودية
إذا لم تكن على علم، فإن السلاحف والكائنات البحرية الأخرى تثير قلقها أصوات الصواريخ والطائرات بدون طيار وتبحث عن ملاذات آمنة بعيداً عن حقول الألغام في الممرات البحرية، وانسكابات الزيوت في المياه الإقليمية.
وإذا كان للبشر حق اللجوء الإنساني واستقبلت دول المنطقة والسعودية أعداداً كبيرة منهم من اليمن والسودان وسوريا في السنوات الماضية، فإنها لم تغفل أيضاً شركاءها في الحياة، الذين يعتبرهم علماء البيئة والأديان “أمم تشبهنا تدفع ثمن تصرفاتنا، وتطالب بحسن الجوار”.
فإن لم يُعبروا عن ذلك بألسنة مشابهة لتلك التي خاطب بها الخليج إيران وأذرعها، فقد قام جنود البيئة السعوديون بفك رموز هذه الرسالة بأسلوب آخر، حيث قامت البلاد بإنشاء مستشفى متخصص للسلاحف البحرية المتضررة التي لجأت إلى بيئة البحر الأحمر.
مستشفى السلاحف
في حديثه مع “اندبندنت عربية”، أكد المتخصص في الطب البيطري البحري عبدالله الوايل أن المستشفى المعروف التابع للمنظمة المختصرة بـ”شمس” أصبح ركيزة في المنطقة لبرنامج صحة السلاحف، حيث تم تزويده بتقنيات تشخيصية وعلاجية متقدمة لعلاج مرضى هذه الكائنات البحرية، مشيراً إلى أن البرنامج البحثي السريري المُعتمد داخل المستشفى يقوم بدور “الأساس في برنامج صحة السلاحف والحيوانات البحرية، سواء على مستوى المملكة أو الإقليم أو حتى دولياً”.
يقع المستشفى في ثول شمال جدة ضمن جهود المؤسسة العامة للمحافظة على الشعب المرجانية والسلاحف البحرية في البحر الأحمر “شمس”. ويعتبر، وفقاً للوايل، مركز تدريب عالمي، يعتمد على أحدث الابتكارات في هذه التخصصات الطبية.
ويحتوي البحر الأحمر، وفقاً للمتخصصين، على خمسة أنواع من السلاحف البحرية من بين السبع المعروفة على مستوى العالم.
تمرين متعدد السيناريوهات
وقد جاء ذلك خلال “التمرين التعبوي” الذي قام به المركز الوطني لمراقبة الالتزام البيئي بمشاركة 42 جهة حكومية وأهلية في منطقة تبوك شمال البلاد، حيث كانت خطوة “إنقاذ السلاحف” واحدة من العديد من الفرضيات التي أجرى عليها المتخصصون في هذا الحدث الذي تم فيه حشد إمكانيات كبيرة من طائرات وسفن وخبراء، في ظل التهديدات البيئية التي تحيط بالإقليم بعد الحرب الإيرانية – الأميركية، التي تعرضت خلالها ناقلات النفط لأضرار جسيمة، مما جعل مراكز الطوارئ في السعودية والمنطقة في أعلى درجات الاستعداد.
وبشكل دوري، يقود المركز تمرينات تعبوية لتعزيز جاهزية القطاعات وقدراتها اللوجستية.
وفي النسخة الرابعة والعشرين من التمرين، المقامة حالياً في محافظة “ضبا” بجنوب غربي تبوك، أكد قائد التمرين نافل الرشيدي أن الجهات المشاركة اختبرت مهارات أكثر من 500 شاب وشابة على “التعامل مع سيناريوهات تلوث معقدة تحت ظروف ضغط عالية من أجل تقييم قدراتهم وتعزيزها”.
وأشار إلى أن الجهات المشاركة “استفادت من غرفة العمليات في منطقة تبوك لمراقبة جاهزية المنطقة في مواجهة التلوث البحري والساحلي، الذي تم خلاله استخدام أكثر من 330 من وسائل النقل البرية والبحرية لمحاكاة التعامل مع حادثة تلوث تمتد لمسافة تتجاوز ميلين مربعين في البحر.”
على الرغم من أن تمرين هذا العام تم تحديد موعده قبل أشهر، إلا أنه تزامن مع تهديدات من ميليشيات الحوثي تجاه الأجواء السعودية ومياهها، حيث أحبطت وزارة الدفاع هجوماً بالصواريخ الباليستية على الجنوب، عقب غارة جوية من الجيش اليمني استهدفت مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية بشكل قسري.
أضاف الرشيدي أن محاكاة فرضية التسرب الزيتي في البحر كانت تهدف إلى “اختبار مدى توفر المعدات اللازمة في المنطقة، إذ تم استخدام أكثر من 4 آلاف من الحواجز المطاطية والماصة للزيوت و240 برميلاً من المواد المشتتة.”
وتميزت مشاركة “أرامكو” السعودية وحرس الحدود وشركة “سيل” للعمليات البحرية في الجزء الأول من عمليات المكافحة والتصدي للبقعة الملوثة، من خلال طائرات الرش والمشاتل وسفن الاستجابة والغواصين وقوارب خاصة لمكافحة التلوث البحري.
وقد أقرت السعودية منذ فترة خطة وطنية لـ”حماية البيئة البحرية من التلوث بالزيوت والمواد الضارة الأخرى”، حيث يتولى “الالتزام البيئي” تنفيذها بالتعاون مع الجهات الأخرى، وفق اختصاص كل قطاع.
نظرية الفراشة والسلاحف
بالعودة إلى السلاحف البحرية، فإن برنامج حمايتها الطموح في البلاد يمتد أبعد من التمرين التعبوي إلى نطاق أوسع، حيث أطلقت محمية الأمير محمد بن سلمان برنامج تتبع مباشر لحركة السلاحف صقرية المنقار والسلاحف الخضراء باستخدام الأقمار الاصطناعية، يغطي 438 ألف كيلومتر مربع من المياه المفتوحة، ويشمل ثماني دول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفقاً لأحدث التقارير الصادرة عن المحمية.
نجح فريق من المحمية في التقاط ثلاث سلاحف من نوع صقرية المنقار وسبع سلاحف خضراء، وهي أنواع مهددة بالانقراض وفق بيانات الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، وقد تم تثبيت أجهزة تتبع عليها. وتعتبر المنطقة موطناً لتكاثر هذه الأنواع.
وأكد الرئيس التنفيذي للمحمية الملكية، أندرو زالوميس، أن سلاحف صقرية المنقار تواجه خطر الانقراض بمعدل متزايد، حيث يوجد أقل من 200 أنثى في سن التكاثر في البحر الأحمر، مشيراً إلى أن إنقاذ هذا النوع يعتمد على “سد الفجوات المعرفية” لتوفير أدوات أكثر فعالية لحمايته. وأضاف أن البرنامج الجديد “يلعب دوراً أساسياً من خلال تركيب الأجهزة على السلاحف لتتبع حركتها عبر الأقمار الاصطناعية، وتقديم البيانات الفورية الضرورية لتحديد مناطق التجمع والتغذية والتكاثر في البحر الأحمر.”
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقالات ذات الصلة، الموضوعة في (Related Nodes field)
وأوضح في إحاطة إعلامية سابقة أن هذه البيانات “تدعم الجهود الوطنية والإقليمية للحفاظ على البيئة، بهدف تطوير خطة موحدة ومتكاملة لإدارة جهود الحفاظ على السلاحف عبر كل مفاصل المنظومة.”
وترصد فرق مفتشي البيئة التابعة للمحمية نشاط السلاحف على البر وفي البحار لضمان حماية مواقع التعشيش الحيوية لعودتها إلى موطنها، وهي غريزة بيولوجية تدفع السلاحف للعودة إلى الشواطئ التي ولدت فيها.
تنقل الأجهزة المستخدمة بيانات الحركة في الوقت الفعلي لتحديد مناطق البحث عن الغذاء وممرات الهجرة، ومواقع أعشاش السلحفاة الخضراء الحاملة للبيض، لضمان تقديم أفضل مستويات الحماية والإدارة.
لذا كان التمرين التعبوي ضرورياً نحو توفير بيئة آمنة لسكان السعودية، وما يجاورها من الكائنات البرية، التي ذكر الخبراء إنها “أمم أمثالكم” تعاني من تأثير تصرفات الناس أو تتلقى السعادة منها، وهو ما يمثل واحدة من تجليات نظرية “تأثير الفراشة” الشهيرة.
وقد صاغ عالم الأرصاد إدوارد لورينتز هذه النظرية عام 1963، لتصبح تعبيراً عن التفاصيل الصغيرة التي قد تؤدي إلى نتائج كبيرة. حيث قال في ذلك الوقت “رفرفة جناحي فراشة (أو سلحفاة) في البرازيل قد تثير إعصاراً في تكساس”.
