غلاء الدواء في إيران يدفع المرضى لتأجيل العلاج والتخلي عنه

تشهد إيران أزمة متفاقمة في قطاع الأدوية مع الارتفاع الحاد في الأسعار واستمرار النقص في العديد من الأصناف الطبية الأساسية. وتسببت هذه الأزمة في اضطرار عدد متزايد من المرضى إلى تأجيل العلاج أو إيقافه بسبب التكاليف الباهظة. ويرى أطباء ومسؤولون أن تراجع قيمة العملة المحلية، وصعوبات التحويلات المالية، والضغوط الاقتصادية المتراكمة أدت إلى تفاقم الوضع الصحي للمرضى.

أسعار الأدوية ترتفع بمعدلات غير مسبوقة

تشهد إيران موجة حادة من ارتفاع أسعار الأدوية، مما يزيد من معاناة المرضى الذين يواجهون بالفعل ظروفا اقتصادية صعبة. ووفقا لبيانات أوردتها وكالة تسنيم للأنباء المقربة من الحرس الثوري الإيراني، فقد أعلنت إحدى شركات الأدوية الإيرانية مؤخرا رفع أسعار 82 منتجا دوائيا بشكل ملحوظ.

وأظهرت الأرقام أن متوسط سعر هذه الأدوية ارتفع من نحو 180 ألف تومان إلى 390 ألف تومان، بزيادة تقدر بحوالي 120%. كما سجلت بعض الأدوية زيادات أكبر بكثير، حيث ارتفع سعر دواء أعراض مرض ألزهايمر “دونيبيزيل” بنسبة 543% تقريباً، بينما ارتفع سعر المضاد الحيوي “كلاريثروميسين” – الشائع ضد الالتهابات البكتيرية – بنحو 308%، وكذلك ارتفع سعر “أموكسيسيلين” – وهو أحد أكثر المضادات الحيوية استخداما في العالم – بنحو 115%، علما بأن الدولار الأمريكي الواحد يكافئ حاليا في أغسطس/آب 2026) أكثر من 188 ألف تومان.

وما هذه الأرقام إلا مرآة لحجم الضغوط المالية التي باتت تقع على عاتق المرضى، خاصة أولئك الذين يحتاجون إلى علاجات مستمرة أو طويلة الأمد.

إيران - طهران 2026 - مستشفى غاندي المتضرر عقب هجوم أمريكي إسرائيلي على العاصمة
مستشفى غاندي المتضرر عقب هجوم أمريكي إسرائيلي على العاصمة الإيرانية طهران في العام الحالي 2026.صورة من: Mahsa/MEI/SIPA/picture alliance

مرضى السرطان الأكثر تضررا من الأزمة

ومن بين الفئات الأكثر تضرراً مرضى السرطان، إذ تعتمد علاجاتهم على جداول زمنية دقيقة لا تحتمل التأخير. ويؤكد حميد هِمَتْ بور، الطبيب الإيراني المقيم في النمسا وعضو المجلس التنفيذي لجمعية المتخصصين الصحيين من أجل حقوق الإنسان في النمسا، أن عددا متزايدا من المرضى يؤجلون العلاج أو يتخلون عنه بعد الاطلاع على تكلفته.

ويضرب التقرير مثالا بسيدة في إيران تبلغ من العمر 70 عاما وتعاني من سرطان الثدي المتقدم. وكان من المقرر أن تخضع لجلسة علاج كيميائي كل أسبوعين، ضمن ست جلسات علاجية تبلغ تكلفة كل واحدة منها نحو 100 مليون تومان  (أي: 530 دولارا)، أي ما يعادل أكثر من ستة أضعاف الحد الأدنى للأجور الشهرية في إيران.

وبحسب زملاء الطبيب همت بور، طلب أبناء السيدة تأجيل الجلسة التالية إلى حين الحصول على قرض أو دعم مالي يمكنهم من تغطية النفقات، وهو مشهد أصبح يتكرر مع كثير من الأسر الإيرانية.

تأجيل العلاج قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة

ويرى حسن نايب هاشم، الطبيب الإيراني المقيم في النمسا، أن الأثر الحقيقي للأزمة لا يتمثل فقط في ارتفاع الأسعار، بل في النتائج الصحية المترتبة على عدم حصول المرضى على أدويتهم في الوقت المناسب.

وقال نايب هاشم في تصريحات لدويتشه فيله DW: “إذا أصبح الدواء غير متاح، فقد يصاب المرضى بمضاعفات في وقت أسرع بكثير”. وأضاف أن الخطر الأكبر يتمثل في الوفاة المبكرة لبعض المرضى الذين يعتمدون على علاجات منتظمة.

كما أوضح أن استبدال بعض الأدوية ليس خيارا عمليا دائما، لأن العديد من الأمراض المتخصصة لا تتوفر لها بدائل علاجية فعالة. ولهذا فإن نقص الدواء أو ارتفاع ثمنه قد يؤدي مباشرة إلى تراجع في فرص الشفاء وتقهقر في تحسن الحالة الصحية.

أدوية السرطان والأنسولين في دائرة الخطر

وتُعَد أدوية السرطان وأدوية السكري من أكثر العلاجات تأثرا بزيادات الأسعار الأخيرة. ووفقا لحميد همت بور، ارتفعت تكلفة الوصفة الشهرية لأربع عبوات من أنسولين “نوفورابيد” من نحو 280 ألف تومان بعد التعويض التأميني إلى حوالي 1.1 مليون تومان، أي أن هذا هو المبلغ المتبقي الذي على المريض دفعه بعد أن تقوم شركة التأمين الصحي بتغطية جزء من تكلفة الدواء.

أما دواء “كيترودا” (بيمبروليزوماب) المستخدم في علاج بعض أنواع السرطان، فإن النسخة المصنعة محلياً منه قد تصل إلى نحو 70 مليون تومان، بينما تباع النسخ المستوردة من الهند بنحو 300 مليون تومان، في حين تكون النسخ الأوروبية أكثر تكلفة.

ودفع هذا الواقع العديد من المرضى إلى البحث عن الأدوية عبر قنوات غير رسمية وعبر الحدود، وهو ما يثير مخاوف متعلقة بسلامة النقل والتخزين وإمكانية وصول أدوية مقلدة أو منتهية الصلاحية إلى المرضى.

أسباب استمرار أزمة الدواء في إيران

تعود جذور الأزمة الحالية إلى سنوات سابقة، حيث واجه قطاع الأدوية الإيراني تحديات مرتبطة بانخفاض قيمة العملة الوطنية وارتفاع تكاليف الإنتاج وتأخر مدفوعات شركات التأمين للمصنعين والموردين.

كما ساهمت العقوبات الأمريكية في تعقيد عمليات التجارة الدوائية. ورغم أن الأدوية والسلع الإنسانية معفاة من العقوبات بشكل عام، فإن القيود المفروضة على التحويلات البنكية والمدفوعات الدولية تجعل عمليات الاستيراد أكثر صعوبة.

وأشار مهدي بيرصالحي، رئيس منظمة الغذاء والدواء الإيرانية، إلى أن تحويل الأموال تباطأ بشدة بعد اندلاع الحرب، وكاد يتوقف لمدة شهر أو شهرين قبل أن يُستأنف بوتيرة أبطأ. في المقابل، أكد عبد الناصر همتي، محافظ البنك المركزي الإيراني، أن حجم العملة الأجنبية المخصصة للأدوية والمعدات الطبية خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الإيراني الحالي ارتفع بنسبة 30% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وفق التقويم السنوي الرسمي الإيراني الهجري الشمسي. وهذا يعني أن الحكومة الإيرانية وفرت عملة صعبة أكثر لقطاع الدواء والمعدات الطبية، لكن رغم هذه الزيادة، ما زالت هناك أزمة ونقص في الأدوية.

نقص حاد في الأدوية الضرورية في إيران

To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video

أزمة أعمق من مجرد نقص الأدوية

ولا تقتصر المشكلة على نقص الأصناف الطبية فقط، بل تمتد إلى الضغوط الاقتصادية المتراكمة التي تضرب النظام الصحي الإيراني. فبحسب سلمان إسحاقي، المتحدث باسم لجنة الصحة والعلاج في البرلمان الإيراني، يوجد حاليا نحو 43 دواءً مصنفا ضمن فئة “النقص الحَرِج”، بينما تعاني قرابة ألف مادة دوائية من درجات مختلفة من النقص.

وأضاف إسحاقي أن ارتفاع أسعار الأدوية المستخدمة لعلاج السرطان والهيموفيليا – الناعور: مرض نزف الدم الوراثي – والثلاسيميا  – فقر الدم المتوسطي أو أنيميا البحر المتوسط – دفع بعض المرضى إلى تقليل جرعات العلاج أو التوقف عنه بالكامل. كما أشار إلى أن المرضى كانوا يتحملون في السابق نحو 30% فقط من تكاليف الرعاية الصحية، بينما كانت الحكومة وشركات التأمين تغطي الباقي، إلا أن المرضى باتوا اليوم يدفعون أكثر من 70% من التكاليف من أموالهم الخاصة.

وتجسد قصة السيدة السبعينية المصابة بسرطان الثدي هذه الأزمة بصورة واضحة. فبينما ينصحها الأطباء بمواصلة العلاج، لا تزال جلستها التالية مؤجلة بانتظار أن تجد أسرتها وسيلة لتوفير المبلغ المطلوب ودفع تكلفة العلاج.

أعده إلى العربية: علي المخلافي

تحرير: عادل الشروعات

شارك الخبر