سلاحف البحر في المتوسط تعطي إنذاراً مبكراً حول المناخ

سلاحف البحر في المتوسط تعطي إنذاراً مبكراً حول المناخ

سلاحف البحر في المتوسط تعطي إنذاراً مبكراً حول المناخ

تحت ضوء القمر، على ساحل تركي يطل على البحر المتوسط، تخرج صغار السلاحف من الرمال متجهة بسرعة نحو البحر، في مشهد يعكس دورة طبيعية قديمة يزداد تأثير تغير المناخ فيها، بحسب العلماء.

يعكف يعقوب كاسكا، عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية، وفريقه من المتطوعين على مراقبة النشاط داخل الأعشاش ليلاً. وتحمي أقفاص هرمية الشكل البيوض المدفونة في الرمال من الثعالب التي تتجول على الشريط الرملي الممتد لأربعة كيلومترات في إيزتوزو، وهو شاطئ سياحي نهاراً وملاذ لحماية السلاحف ليلاً.

أصبحت السلحفاة الضخمة الرأس، التي تضع بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة للمناخ “كوب31″، والذي يقام في تركيا في نوفمبر (تشرين الثاني) القادم. وسيكون حماية البيئة البحرية أحد المحاور الأساسية للقمة على ساحل أنطاليا.

يقول الباحثون إن هذه السلحفاة تعكس تأثير تغير المناخ على النظم البيئية في منطقة البحر المتوسط، التي شهدت ارتفاعاً طويلاً في درجات الحرارة منذ بداية الثمانينات.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته “رويترز” أن المياه في أوروبا سجّلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مما يشكل تهديداً لبعض المجتمعات الساحلية.

وذكرت دراسات أن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في جميع أنحاء البحر المتوسط، حيث تضع السلاحف بيوضها. ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش، إذ تؤدي الرمال الأكثر حرارة إلى إنتاج عدد أكبر من الإناث.

وأوضحت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت دراسات مكثفة على السلاحف الضخمة الرأس، “توفر لنا هذه السلاحف نظام إنذار مبكر سريع جداً”. وأضافت أن هذه الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية، لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

في دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، وجدت شيرين أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيض، وتقليص فترات الحضانة في الأعشاش، وزيادة نسبة الإناث. وخلصت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا إلى أن حوالي 70 في المئة في المتوسط من صغار السلاحف الضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وأكدت أن تغيير السلوك وحده قد لا يكفي للتخفيف من آثار تغير المناخ.

وأكد كاسكا أن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، كما أظهرت تحليلات موسعة أن نسبة الإناث تمثل ما بين 80 و90 في المئة من صغار السلاحف في عدة تجمعات.

يقول العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في النهاية إلى تقليل أعداد الذكور إلى درجة لا تتيح نجاح التكاثر.

وأشارت شيرين إلى أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة.

بحسب فريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف الضخمة الرأس على أنها مهددة بالانقراض على مستوى العالم. أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة تقل فيها مستويات القلق، مما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يحذرون من أن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط هجرة السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال “كوب31”. وأضاف، “قد تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها”. ودعا إلى ضرورة التعاون بين الدول لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

خلال مؤتمر حول المحيطات والبحار في سبتمبر (أيلول) الماضي، قال وزير البيئة التركي مراد قوروم، الذي سيترأس “كوب31″، “حماية المحيطات هي مسؤولية نتقاسمها جميعاً. ندعو كل طرف إلى تحويل هذه المسؤولية إلى إجراءات صارمة وملموسة تتمثل في استعادة النظم البيئية وبناء القدرة على الصمود”.

أشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف الضخمة الرأس غالباً ما تعود بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لتضع البيض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيض في مناطق أبعد شمالاً، وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

30 ألف سلحفاة صغيرة كل موسم

مع ذلك، يظل شاطئ إيزتوزو موقعاً رئيساً، حيث يدخل البحر منه نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة بعد الفقس كل موسم، بعد خروجها من مئات الأعشاش.

يراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج أثناء توجهها نحو البحر. لكن السلاحف الصغيرة تواجه أخطاراً أخرى في البحر، بما في ذلك شباك الصيد، والقوارب، والنفايات البلاستيكية.

وأوضحت شيرين، “السلاحف البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود للسطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً”.

ويعتبر التلوث بالبلاستيك مصدر قلق خاص. وأفاد كاسكا بأن 60 في المئة من السلاحف التي تُنقل إلى مركز للتأهيل تحتوي في أجهزتها الهضمية على خمس قطع على الأقل من البلاستيك. وتابع، “إلقاء كيس بلاستيكي في البحر يشبه إطلاق النار على السلاحف”.

بالنسبة للباحثين، تمثل السلاحف مؤشراً مرئياً على صحة النظام البيئي في البحر المتوسط.

ومع اقتراب الفجر، تختفي مجموعة جديدة من السلاحف الصغيرة بين الأمواج. وإذا كتب لها البقاء، فقد تعود بعضها بعد عقود إلى هذه الشواطئ لتضع البيض مرة أخرى.

شارك الخبر