الجزائر تتأهب لمواجهة الحرائق من خلال تشريع خاص بـ”السكن في الغابات”

الجزائر تتأهب لمواجهة الحرائق من خلال تشريع خاص بـ"السكن في الغابات"
يبدو أن الأضرار التي نجمت عن الحرائق في الجزائر دفعت الحكومة إلى اتخاذ خطوات لمنع تكرارها، خاصةً للحد من وقوع ضحايا، حيث تم الإعلان عن بدء ورشة عمل تضم خبراء لإعداد مشروع قانون يحدد المعايير والضوابط المتعلقة بالبناء والإقامة في المناطق الغابية.
وقد ترأس الوزير الأول الجزائري، سيفي غريب، اجتماع اللجنة الوزارية المشتركة التي تدير المصادقة على نتائج عمل لجنة الخبراء المكلفة بإعداد مشروع قانون يحدد معايير الإقامة في المناطق الغابية، مؤكداً على أهمية توسيع دائرة التشاور وإشراك الجهات المختلفة المعنية بهذا الملف، مما يسهم في إثراء مشروع القانون الجاري إعداده، إضافةً إلى جميع التدابير والإجراءات التنظيمية والفنية المرتبطة به، وفق نهج تشاركي يراعي كافة الجوانب المتعلقة بحماية المواطنين في المناطق الغابية من مخاطر الحرائق.
ستقوم اللجنة بمراجعة الإطار التشريعي والتنظيمي والقواعد والمعايير الفنية المتعلقة بالبناء والإقامة في المناطق الغابية والمناطق المجاورة، وستعمل على وضع مشروع قانون يحدد شروط البناء والإقامة في هذه المناطق، بما يضمن حماية السكان وتقليل المخاطر المتعلقة بحرائق الغابات.
من المتوقع أن تقدم اللجنة تقريرها النهائي في غضون 20 يوماً من تاريخ تشكيلها، على أن تنتهي أعمالها بمقترح إطار قانوني وتنظيمي شامل ينظم أنشطة البناء والإقامة في المناطق الغابية.
شهدت الجزائر حرائق كبيرة في مناطق متعددة تسببت في خسائر وصفت بأنها الأكبر في تاريخ البلاد، وكانت منطقة جيجل الأكثر تضرراً من حيث الخسائر الاقتصادية، خاصة في القطاع الزراعي، بالإضافة إلى ولايات أخرى مثل سكيكدة، بجاية، وتيزي وزو.
بينما تستمر عمليات التعويض التي تشمل دعماً مالياً يصل إلى 7500 دولار لترميم المنازل، وتقديم رؤوس الأغنام، الأبقار، الماعز، بالإضافة إلى كميات كبيرة من الدواجن وبيوت النحل، وملايين الأشجار المثمرة، تبذل السلطات قصارى جهدها لوضع إطار قانوني ينظم البناء والإقامة في المناطق الغابية، سعياً لحماية السكان وتقليل مخاطر حرائق الغابات.
مهمة صعبة ولكن ليست مستحيلة
في انتظار ما ستفضي إليه الوثيقة الأولية، اعتبر الباحث في المجال الزراعي، أحمد رافع، أن الخطوة التي أعلنت عنها السلطات مهمة ومرغوب فيها لمواجهة المخاطر والخسائر الناجمة عن حرائق الغابات، إلا أن تنظيم البناء في المناطق الغابية يعد مهمة صعبة بعض الشيء بالنظر إلى ارتباط الجزائريين بأراضيهم.
وأشار إلى أن هناك عائلات تمتلك أراضٍ شاسعة تصل إلى المناطق الغابية، مما يصعب منعها من البناء أو السكن، إذ يتطلب الأمر تقديم بدائل مغرية، مثل السماح باستخدام المساحات للزراعة بدلاً من الإقامة، والتي يُفضل إخراجها من دائرة الخطر باتجاه القرى الريفية القريبة التي تلبي احتياجات الحياة والحماية.
وأوضح أن هناك أساليب أخرى للتعامل مع هذا الملف مثل فصل السكن عن المنطقة الغابية عبر إزالة الأشجار والنباتات القابلة للاشتعال على مسافة معينة، وغيرها من الاستراتيجيات، قائلاً “لا يكفي امتلاك قطعة أرض في الغابة للحصول على رخصة لبناء سكن خاص”.
وأكد رافع أن تحرك الحكومة يأتي في سياق مراجعة وتنظيم آليات التخطيط والسكن في المناطق الغابية، بما يتماشى مع خصوصية هذه المناطق ويعزز إجراءات الوقاية من مخاطر الحرائق، بالإضافة إلى الحفاظ على الثروة الغابية وحماية السكان والممتلكات، مشيراً إلى أن القانون المرتقب يسعى لوضع معايير وضوابط واضحة للسكن والبناء في المناطق الغابية، بما يحقق التوازن بين متطلبات التوسع العمراني وضرورة حماية الغطاء الغابي والحد من مخاطر الكوارث الطبيعية، وتفادي تكرار أخطاء الماضي خاصةً أثناء حرائق الغابات.
وحذر من أن الثروة الغابية في العقود الأخيرة تواجه تهديدات عديدة، سواء كانت طبيعية أو نتيجة النشاط البشري، مما دعا المشرع الجزائري إلى التدخل لتوفير الحماية القانونية اللازمة.
النموذج الإسباني
ليس الجزائر الوحيدة التي اتبعت نهج قانون البناء والسكن في المناطق الغابية لمواجهة الحرائق والحد من الخسائر الناتجة عنها، بل هناك دول عديدة سبقت إليها مثل إسبانيا وفرنسا، حيث يخضع السكن أو البناء في المناطق الغابية والأراضي ذات الطابع الريفي أو الأراضي غير القابلة للتحويل العمراني في إسبانيا لضوابط صارمة جداً.
ولا يُسمح ببناء منازل سكنية دائمة في هذه المناطق إلا إذا كانت مرتبطة بشكل مباشر ومبرر بأنشطة استغلال زراعي أو غابي أو حيواني، وليس كافياً امتلاك قطعة أرض في الغابة للحصول على رخصة بناء سكن خاص، حيث تُعتبر المباني العشوائية أو غير المرتبطة بخدمة الغابة مخالفات خطرة تعرض صاحبها لغرامات مالية كبيرة أو هدم المبنى أو حتى المساءلة الجنائية.
يحظر القانون الإسباني المتعلق بالغابات أي تغيير دائم في طبيعة هذه الأراضي، حيث يمنع أي إنشاءات دائمة لا تخدم قطاع الغابات، وكذلك يحظر تغيير استخدام الأراضي الغابية التي تعرضت لحرائق لمدة قد تصل إلى 30 عاماً، لكبح استغلال الحرائق في البناء، مع فرض قواعد صارمة للتخييم المؤقت، مثل عدم السماح بالتخييم في الغابات الخاصة دون إذن، أو في المناطق المحمية، ويشترط الابتعاد عن مصادر المياه بمسافة لا تقل عن 100 متر، وعدم إشعال النار نهائياً خارج الأماكن المخصصة لذلك.
استثناءات فرنسية
أما في فرنسا، ورغم أن القانون يمنع تماماً بناء مساكن جديدة أو العيش بحرية في الغابات لحماية البيئة وتقليل مخاطر الحرائق، إلا أنه توجد استثناءات مشددة جداً تسمح بالسكن أو البناء في حالات محددة، بحيث يُسمح للعاملين في قطاع الغابات مثل حراس الغابات أو مزارعي الخشب ببناء مساكن تتعلق بشكل مباشر بأنشطتهم المهنية، شرط إثبات ضرورة وجودهم في الموقع لإدارة الغابة أو حراستها، مع شروط صارمة للسلامة والوقاية من الحرائق، أهمها تنظيف محيط المسكن وإزالة النباتات القابلة للاشتعال على مسافة تتراوح بين 50 و100 متر لحماية المنزل وتيسير وصول رجال الإطفاء، فضلاً عن الابتعاد بمسافة معينة من حدود الغابة الكثيفة لتقليل خطر نشوب النيران.
يعتقد البعض أنه يمكن وضع مسكن متنقل أو خفيف دون الحاجة لترخيص في فرنسا، لكن القانون صارم جداً في هذا الشأن، حيث يعد هذا محظوراً إلا في مناطق محددة ونادرة يحددها مجلس البلدية، وقبل شراء أي قطعة أرض غابية في فرنسا بغرض السكن، ينبغي التوجه إلى البلدية المحلية وطلب شهادة التخطيط العمراني للاطلاع على التصنيف الدقيق للأرض وما إذا كانت تخضع لحماية خاصة تمنع أي نشاط بشري.
قانون الغابات لعام 2023
نظرًا للحرائق والتدمير الذي تعرضت له غابات الجزائر خاصةً في عام 2021، وما خلفه من خسائر بشرية ومادية وأضرار بيئية، أصبح من الضروري على المشرع الجزائري التدخل بشكل عاجل لوقف هذه الظواهر السلبية وتعزيز أساليب الحماية القانونية للثروة الغابية، نظراً لأهمية ذلك في تحقيق التوازن البيئي والتنوع البيولوجي، فضلاً عن دوره الاقتصادي والاجتماعي.
وقد تجسد ذلك بإصدار قانون الغابات في عام 2023، الذي تضمن آليات حماية لم تكن موجودة في القانون القديم الملغى، والتي من شأنها الإسهام بفعالية في توفير الحماية اللازمة والحفاظ على الثروة الغابية بشكل يلبي احتياجات الأجيال الحالية والمستقبلية، ورغم تكرار الحرائق التي تتسبب في أضرار بيئية وبشرية هائلة، عاود المشرع فتح ورشة عمل لقانون يحدد المعايير والضوابط للبناء والإقامة في المناطق الغابية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقالات ذات الصلة، والموجودة في (حقل العقد المتعلق بالمحتوى المتعلق)
بينما سعت الهيئات المختصة إلى توظيف آليات قانونية وقائية وأخرى علاجية زجرية، بهدف تعزيز الضبط التشريعي والإداري والقضائي في الوقت نفسه، فإن فعالية هذه الوسائل في تحقيق الأهداف المرسومة قد تتفاوت في درجات النجاعة من وسيلة لأخرى، مما استدعى إدخال تعديلات على القوانين السارية.
منع التخييم العشوائي
في سياق الوقاية من حرائق الغابات، أكدت وزارة الفلاحة والتنمية الريفية على ضرورة وضع مخططات إنقاذ للمخيمات الصيفية القريبة من المناطق الغابية مع منع التخييم العشوائي داخل هذه المناطق، وأوضحت أنه يجب بالضرورة على المنظمين للمخيمات الصيفية ومساحات الاستجمام، داخل أو بجوار الأوساط الغابية، إعداد خطة للنجدة وللطوارئ أو عمليات الإخلاء العاجل، وفقاً لموافقات السلطات المحلية المختصة، ليتم نشرها وتوزيعها على جميع الزوار، كما هو ممنوع منعاً باتاً الحركة داخل أو بالقرب من المناطق الغابية، أو التخييم العشوائي أو أي نشاط قد يؤدي إلى نشوب النيران.
كما تقرر تكثيف حملات التوعية والإعلام محلياً حول الإجراءات الوقائية التي يجب الالتزام بها من قِبل جميع المواطنين حفاظاً على الأرواح والممتلكات، بالتوازي مع زيادة الدوريات المشتركة من الأجهزة الأمنية، وإدارة الغابات والحماية المدنية، على مدار اليوم وطيلة الأسبوع.
لا لتصوير فيديوهات التحدي
إلى ذلك، يقول عضو منظمة “حمايتك”، سفيان لواسع، إن تدخل فرق الحماية المدنية وفرق الاستجابة في المناطق الغابية يُعتبر من أصعب الأعمال الميدانية، بسبب التضاريس الوعرة وغياب الطرق الممهدة للوصول إلى فرق التدخل في الوقت المناسب، مشيراً إلى أن القوانين والتنظيمات نتيجة الظروف والتجارب السابقة التي مرت بها الجزائر مع حرائق الغابات، والتي تسببت في خسائر بشرية ومادية جسيمة.
وبيّن أن العديد من المواطنين يستهينون بخطورة دخول الغابات في فصل الصيف، خاصةً في فترات الحر الشديد والعواصف القوية التي تساعد على انتشار النيران بسرعة، موضحاً أن أي شرارة بسيطة أو تصرف غير مدروس قد يتحول بسرعة إلى كارثة بيئية وإنسانية يصعب السيطرة عليها.
وشدد لواسع، أن السلطات العامة قامت باتخاذ هذه اللازمات بعد رصد ميداني للمخاطر التي تهدد المواطنين والمتنزهين في المناطق الغابية، خاصةً مع تكرار حوادث الضياع والاختناق وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق النائية، مشيراً إلى أن المواطنين يستطيعون الاستفادة من مناطق أخرى أكثر أمانًا، مثل المناطق المجاورة للغابات، والمساحات الطبيعية المفتوحة، وبعض المناطق القريبة من السدود والوديان، مع ضرورة الالتزام بالإرشادات الوقائية وعدم التعرض للخطر بالسباحة في أماكن غير مسموح بها أو غير خاضعة للمراقبة.
ودعا الشباب، وخاصة الناشطين والمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى المشاركة في حملات التوعية حول مخاطر حرائق الغابات، بدلاً من تشجيع سلوكيات سلبية عبر منصات رقمية، مستنكرين ما يفعله البعض من تصوير فيديوهات في المناطق المغلقة أو الخطرة ونشرها على الشبكات الاجتماعية كنوع من التحدي.
