DW تتحقق: حملات تضليل روسية تستهدف الانتخابات الألمانية

لم يكن إريك شتير يدري كيف يتصرف عندما شاهد أول مقاطع فيديو مزيفة عنه. وعقب مشاهدته هذا المقطع المزيف، قال إنه شعر “بمشاعر مختلطة” مزيج بين التسلية والقلق والبهجة والعجز.

وأضاف “لا أريد أن ينتشر شيء كهذا على الإنترنت. ولكن من جهة أخرى، أعلم أنني لا أستطيع فعل أي شيء حيال ذلك”.

ويعد إريك شتير، وهو طالب، مرشحا عن حزب اليسار لخوض غمار انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت. ويأمل السياسي الشاب في التمكن من دخول برلمان الولاية في 6 أيلول/سبتمبر المقبل.

وتنتشر حوله ادعاءات على مواقع التواصل الاجتماعي، منها:

• يُزعم – دون سند- أنه “قتل” جدتهحتى يرث شقتها (مقطع فيديو لدى archive.org)

• يُزعم – دون سند- أنه “قتل” عارضةكاميرا ويب بدافع الغيرة (مقطع فيديو لدى archive.org)

• يُزعم – دون سند- أنه “نظم” حفلاتجنسية سرية للمثليين والعابرين جنسيا في جامعة ألمانية (مقطع فيديو لدى archive.org)

• يُزعم – دون سند – أنه “ساعد” جامعة”باوهاوس فايمار” الألمانية في منح درجات أفضل لطلاب من غرب ألمانيا (مقطع فيديو لدى archive.org)

ومن المفترض أيضا أن وسائل إعلام ألمانية كبرى، مثل صحيفة “فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ” وقناة “شتيرن” التلفزيونية و القناة الأولى الألمانية وقناة “شبيغل” التلفزيونية، تغطي هذا الموضوع. ولكن هذه ادعاءات كاذبة لا أساس لها من الصحة، كما أن مقاطع الفيديو المنشورة لا علاقة لها بوسائل الإعلام المذكورة.

وقد أكد متحدث باسم شرطة دائرة بورغنلاند لـDW عدم وجود أي شبهة قتل وعدم وجود تحقيقات ضد إريك شتير في هذا الصدد.

وكذلك أكدت متحدثة باسم جامعة باوهاوس فايمار عدم وجود تقارير عن حفلات جنسية في الجامعة أو فضيحة تلاعب بدرجات الطلاب في الجامعة.

ألمانيا 2026 - فيديوهات مفبركة على موقع X ضد مرشح حزب اليسار إريك شتير
مقاطع فيديو مفبركة على موقع إكس تتضمن اتهامات خطيرة ضد مرشح حزب اليسار، إريك شتير، الذي يخوض انتخابات برلمان ولاية ساكسونيا أنهالت. جميع هذه الاتهامات غير صحيحة.صورة من: Screenshot: X.com

أكثر من 180 منشورا مزيفا قبل الانتخابات

تمكن فريق تقصي الحقائق في DW من اكتشاف أن مقاطع الفيديو هذه هي جزء من حملة التأثير والتضليل الإلكترونية الروسية “ماتريوشكا” “الدمى الروسية” المعروفة أيضا باسم “عمليات أوفرلود”.

وقد رصد الفريق حتى الآن قبل انتخابات الولايات أكثر من 180 منشورا مزيفا على منصات إكس وبلوسكاي وتيك توك. وتستند هذه البيانات إلى ارشيف منفصل تحتفظ به مجموعة استقصائية مجهولة الهوية “Antibot4Navalny”، التي تأسست في الأصل لكشف التضليل الإعلامي ضد زعيم المعارضة الروسي أليكسي نافالني الذي توفي في سجن شديد الحراسة في المنطقة القطبية الشمالية عام 2024.

وتبذل المجموعة الآن جهدا كبيرا للكشف عن عمليات التأثير والتضليل الروسية على الإنترنت.

وحصلت DW على المنشورات المزيفة، التي يتم نشرها منذ 24 حزيران/يونيو الماضي. ويجري نشرها خلال أيام العمل فقط، لأن ناشري المعلومات المضللة يتوقفون عن العمل في عطلة نهاية الأسبوع.

وترمي العديد من هذه المنشورات إلى تشويه متعمد لسمعة مرشحات ومرشحين للانتخابات القادمة في ولايتي ساكسونيا-أنهالت و مكلنبورغ فوربومرن، وانتخابات مجلس نواب ولاية برلين وانتخابات ولاية ساكسونيا السفلى، التي ستجرى جميعها في أيلول/سبتمبر المقبل.

وتعد الانتخابات مقياسا مهما للمزاج السياسي في ألمانيا وللحكومة الجديدة عقب التعديل الوزاري.

صورة رمزية: أخبار مزيفة - دمية ماتريوشكا مع عبارة "أخبار مزيفة" فوق ألوان العلم الألماني
تسعى حملة التأثير والتضليل الإلكترونية الروسية “ماتريوشكا”، إلى تضليل الرأي العام من خلال محتويات إعلامية مفبركة.صورة من: Sascha Steinach/IMAGO

حملة ماتريوشكا تصل إلى بُعد جديد

وليس استهداف حملة “ماتريوشكا” لألمانيا الآن مفاجئا للمراقبين، لكن المفاجئ هو حجم هذا الاستهداف.

وفي ذلك، قالت جوليا سميرنوفا، وهي باحثة في مركز الرصد والتحليل والاستراتيجية (CeMAS)، وهو مركز أبحاث غير ربحي مقره برلين، إن “حملة التضليل هذه نشطة بشكل عام منذ أيلول/سبتمبر 2023 على عدة منصات”.

وأضافت أن أهداف الحملة “شملت أيضا الانتخابات الاتحادية في ألمانيا، والانتخابات في مولدوفا و أرمينيا، وكذلك دورة الألعاب الأولمبية في فرنسا”.

وتراقب الباحثة سميرنوفا حملة “ماتريوشكا” منذ فترة طويلة حيث تقول إن “استهداف مرشحين محددين على مستوى انتخابات الولايات في ألمانيا عمل جديد في حملات التأثير والتضليل الروسية”.

وأشارت إلى أن حملات التضليل والأخبار الكاذبة تستهدف كافة الأحزاب الألمانية باستثناء حزب البديل من أجل ألمانيا ، المصنف في بعض أجنحته حزبًا يمينًا متطرفًا، و تحالف سارة فاغنكنيشت.

وقالت “لقد لاحظنا حتى في الفترة التي سبقت الانتخابات الاتحادية أن الحملات الروسية حاولت بشكل عام تشويه سمعة مرشحي جميع الأحزاب الديمقراطية ودعم حزب “البديل” وتحالف “سارة فاغنكنيشت”.

وأضافت “أن ما نشهده الآن قبل انتخابات الولايات هو استمرار لاستراتيجية روسيا طويلة الأمد المتمثلة في دعم الأحزاب التي تتبنى مواقف صديقة لروسيا وتشويه سمعة الأحزاب والمرشحين الآخرين”.

ويشير إلى هذا الاتجاه أيضا الباحث “بابلو ماريستاني دي لاس كاساس”، خبير في حملات التضليل والتأثير الأجنبي على المجال المعلوماتي في “معهد الحوار الاستراتيجي” البحثي في لندن. وشارك الباحث في رصد حملة “ماتريوشكا” حيث يتشارك مع سميرنوفا في القول بأن هناك أوجه تشابه بين الحملة الحالية ومحاولات روسية سابقة.

ويقول إن السرديات والرسائل جاءت مرة أخرى “مؤيدة لروسيا، ومناهضة لألمانيا، ومعادية للاتحاد الأوروبي”.

لقطة شاشة - منشور الحزب الديمقراطي الحر
اختصار يكشف عن مصدر المنشور: تم اختصار اسم الحزب الديمقراطي الحر في هذا المنشور بـ”SvDP” – وهو الاختصار الروسي لـSvobodnaya Demokraticheskaya Partiya (الحزب الديمقراطي الحر). النتيجة: مزيف. تدقيق الحقائقصورة من: X

من يقف خلف حملة ماتريوشكا؟

وعلى الرغم من عدم إمكانية إثبات وجود صلة مؤكدة بالدولة الروسية حتى الآن، لكن العديد من المؤشرات تدل على ارتباطها بروسيا، كما يقول “ماريستاني دي لاس كاساس”.

وأضاف أن هناك على سبيل المثال منشورا على موقع إكس باللغة الإسبانية فيه اختصار يكشف عن مصدره. وأشار إلى أنه في هذا المنشور حول مرشحي الحزب الديمقراطي الحر، ليديا هوسكينز وأندرياس زيلبرساك، تم اختصار اسم الحزب بـ”SvDP” – وهو الاختصار الروسي لـ”Svobodnaya Demokraticheskaya Partiya”، أي “الحزب الديمقراطي الحر”.

وكانت مجموعة “غنيدا بروجكت” لأبحاث المصادر المفتوحة، المتخصصة في تتبع حملات التضليل الروسية، قد أشارت سابقا إلى وجود صلات بين شبكة “ماتريوشكا” وجهات روسية.

وكشف عن أن حملات التأثير هذه ترتبط تقنيا وموضوعيا بوحدة “ستورم-1516” سيئة السمعة والتابعة لجهاز الاستخبارات العسكرية الروسية، والتي كانت نشطة قبل الانتخابات البرلمانية في ألمانيا التي جرت العام الماضي.

ومن الواضح بالنسبة لسميرنوفا أن الحملة الجارية “هي على الأرجح حملة روسية يتم تنفيذها بتكليف من الإدارة الرئاسية”، مضيفة أن مثل هذه العمليات يتم تنفيذها من قبل “شركات خاصة مختصة في التسويق الرقمي وحملات التأثير السياسي”.

التمييز بين ماتريوشكا والتقارير الإعلامية الحقيقية؟

ورغم أن مقاطع الفيديو المزيفة جرى إنتاجها بمستوى احترافي، إلا أنها تحتوي على أخطاء أو تناقضات بسيطة تكشف محاولتها انتحال هوية وسائل إعلام معروفة.

ويمكن التعرف على “سرقة الهوية الرقمية”، المعروفة أيضا باسم “انتحال الهوية الإعلامية”، من خلال طرح الأسئلة التالية:

• هل الفيديو موجود أيضا على حساب رسمي للمؤسسة الإعلامية؟

• هل يتطابق التصميم ونوع الخط مع تصميم المؤسسة الإعلامية؟

• ما مصدر اللقطات وهل تعرض أصلا القصة المروية؟

• هل يُقدم مقطع الفيديو أدلة يمكن التحقق منها على صحة القصة المروية؟

وتقود هذه الأسئلة سريعا في حالة الأخبار الكاذبة المنتشرة حاليا إلى استنتاج أن القصص ملفقة واللقطات مسروقة والشعارات مستنسخة وتصاميم الفيديوهات مقلدة بشكل غير دقيق. ولكن هذا كله يتضح فقط عند النظر عن كثب.

منشور مزيف - لقطة شاشة. 30-07-2026. كاي فيغنر
تنشر على موقع إكس فيديوهات مفبركة بروايات مختلفة، ويتم تضخيم مدى انتشارها بشكل مصطنع، كما في حالة مقطع الفيديو المزيف هذا عن السياسي كاي فيغنر.

ما هي الروايات التي يتم نشرها قبل الانتخابات؟

يمكن تقسيم سرديات حملة التضليل والتأثير الحالية قبل الانتخابات الألمانية إلى فئتين:

تشويه سمعة المرشحين 

وفي أحد المقاطع المصنوعة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وجه اتهام مزعوم إلى عمدة برلين كاي فيغنر (من الحزب المسيحي الديمقراطي) “بقتل” لاعب تنس محترف (مقطع فيديو لدى archive.org).

ولم يعرض الفيديو أي أدلة تثبت الاتهام. وبعد استفسار من DW، أكدت متحدثة باسم شرطة برلين عدم وجود لاعب تنس محترف قُتل مؤخرا في برلين، وكذلك عدم وجود تحقيقات ضد كاي فيغنر. وكذلك يُتهم مرشحون آخرون من الحزب المسيحي الديمقراطي و الحزب الاشتراكي الديمقراطي، و حزب الخضر، و حزب اليسار، والحزب الديمقراطي الحر، باتهامات كاذبة بالفساد وتعاطي المخدرات، أو حتى بفضائح جنسية مزعومة في عشرات الحالات.

ادعاءات الانقسام

وفي أحد مقاطع الفيديوالمزيفة التي تنتحل هيئة تقرير صادر عن مكتب الإحصاء الأوروبي “يوروستات”، (مقطع الفيديو لدى archive.org) يُدعى أن غالبية كبيرة من الألمان في الولايات الغربية ترى أن إعادة توحيد شطري ألمانيا عام 1990 كانت “خطأ تاريخيا”. لكن الفيديو لا يورد أي معلومات عن الاستطلاع المزعوم، كما لم يُعثر على أي دليل يثبت وجوده.

وفي رده على استفسار DW، قال يوروستات إن “هذا فيديو مفبرك، لم تنتجه يوروستات، وكذلك لم تجر الاستطلاع المذكور فيه”.

ويضاف إلى ذلك أن الاستطلاعات الحقيقية تظهر صورة مختلفة تماما. فبحسب استطلاع أجراه في تشرين الأول/أكتوبر 2025 برنامج “دويتشلاند تريند” في القناة الألمانية الأولى، فقد أعرب 64 بالمائة من سكان ألمانيا الغربية عن رضاهم عن إعادة توحيد ألمانيا.

وتوجد إلى جانب هذا المنشور منشورات أخرى عديدة تسلط الضوء على مزاعم عدم المساواة في المعاملة بين الألمان في غرب وشرق البلاد مثل الادعاء بأن الاستثمار في الأمن والبنية التحتية أقل في شرق ألمانيا أو أن الخبراء يتوقعون حدوث انقسام ألماني من جديد بحلول عام 2030.

وجرى نشر مقطع فيديو مفبرك يزعم وجود خطط لبناء جدار برلين جديد. وفي الواقع لا شيء من هذه الادعاءات صحيح. وحتى أن بعض المنشورات تستخدم وسم #TimeToDivideGermany (حان_وقت_تقسيم_ألمانيا).

وتقول الباحثة سميرنوفا: “هذا يتعلق بتحريض الناس من غرب ألمانيا وشرقها ضد بعضهم بعضا، أو كذلك الادعاء بأن الناس في شرق ألمانيا مكروهون ومحتقرون ويتعرضون للتمييز من قبل الناس في ألمانيا الغربية”.

وتضيف أن هذا يتعلق أيضا بإلحاق ضرر بسياسيين محددين من خلال تلفيق ادعاءات كاذبة.

منشور مزيف
يتم الترويج لرواية تزعم اتساع الانقسام بين غرب ألمانيا وشرقها حيث تشير إلى ذلك اقتباسات واستطلاعات مزعومة وخطط بناء جدار برلين.صورة من: X

ما مدى نجاح حملة التضليل هذه؟

لا تزال حملة التأثير مستمرة وتُضاف إليها باستمرار أخبار كاذبة جديدة، لذا من المبكر جدا إجراء تقييم نهائي.

وبحسب تقديرات الخبراء الذين تحدثوا إلى DW فإن التأثير محدود للغاية حاليا. يقول الباحث “ماريستاني دي لاس كاساس” إن “التأثير ليس كبيرا. ويمكننا أن نرى ذلك أيضا من خلال التضخيم المصطنع للمحتويات”.

وأضاف أن المقصود بذلك هو أن هذه المنشورات لا تشهد أي انتشار حقيقي يُذكر، على الرغم من حصول بعضها على أكثر من 100 ألف مشاهدة، لكن التفاعلات فيها شبه معدومة والتعليقات قليلة.

وكذلك أظهرت دراسات سابقة أن تأثير حملات التضليل مثل حملة “ماتريوشكا” كان حتى الآن محدودا، فيما يعود الأمر إلى أن منصات أخرى مثل “بلوسكاي” و “تيك توك” غالبا ما تحذف هذه المنشورات بسرعة كبيرة، على عكس منصة إكس.

ولكن مرشح حزب اليسار، إريك شتير، لا ينوي الاعتماد على ذلك ويريد الإبلاغ عن هذه الفيديوهات المفبركة.

ويقول إنه فشل في إزالة مقطع فيديو حوله من موقع إكس، “لأنهم لم يروا من جانبهم أي سبب لحذفه”. ولهذا السبب أيضا تستمر حملة التضليل ضد السياسيين الألمان.

ساهم في إعداد التقرير كلا من آسيا لوكينا ووألدو سانشيز فيرا وأنور أشرف.

أعده للعربية: رائد الباش

تحرير: محمد فرحان

شارك الخبر