التلوث يحيط بمياه العراق والمناشدات تتعالى لوضع خطة طوارئ

التلوث يحيط بمياه العراق والمناشدات تتعالى لوضع خطة طوارئ
على الرغم من إعلان وزارة البيئة العراقية حالة الطوارئ البيئية في 24 سبتمبر (أيلول)، واطلاع وزيرة البيئة سروة عبدالواحد على خطط لمعالجة تلوث نهري دجلة والفرات خلال العام المقبل، استمرت شكاوى التلوث والمخاطر التي تواجه السكان، الذين تساءلوا عن الخطوات التي اتخذت بعد الإعلان، وكيف ستتحقق الوعود وما إذا كانت المعالجة ستصل إلى المناطق المتضررة.
جاء إعلان الطوارئ على لسان عبدالواحد، التي دعت إلى تحرك حكومي فوري وشامل لمواجهة التلوث ومسبباته، مشددة على أن الوضع البيئي قد بلغ مرحلة تستدعي اتخاذ إجراءات استثنائية. ووفقًا لبيان الوزارة، فإن الجهود ستعتمد على بيانات تحدد مستوى التلوث وأماكنه ومصادره والجهات المسؤولة عنه.
كما أعلنت الوزارة عن إطلاق منصة لاستقبال الشكاوى البيئية وتوثيقها، وربطها بالإجراءات القانونية المتبعة، في حين انتهى الاجتماع الذي رافق الإعلان إلى دعوة لإعداد خطة طوارئ تحدد أولويات المعالجة وتفعيل المسؤولية القانونية ضد المتسببين. ومع وضع الوزيرة مهلة عام لمعالجة تلوث النهرين، فإن تفاصيل المشاريع المعنية والتمويل ومرحلة التنفيذ تبقى مواضيع تحتاج إلى توضيحات، في ظل غياب المعلومات الواضحة في بيان الطوارئ. السؤال أيضًا يبقى مطروحًا حول قدرة هذه الإجراءات على وقف الانتهاكات البيئية المستمرة حتى بعد الإعلان عن الطوارئ.
في غضون أيام قليلة بعد إعلان الطوارئ، سجلت ناحية الرياض في قضاء الحويجة بكركوك أكثر من 150 حالة إسهال وتقيؤ خلال يومي 29 و30 سبتمبر، وسط شكوك حول تلوث مياه الشرب. وأشار مسؤول قطاع الصحة الثاني في دائرة صحة كركوك، جاسم ياسين حسين، إلى أن الفرق الصحية أخذت عينات من مشروع مياه الرياض ووزعت حبوب الكلور على السكان، لافتًا إلى أن العديد من مشاريع المياه التابعة لدائرة ماء كركوك تفتقر إلى معايير التعقيم الصحية، في حين تبقى أسباب الإصابات بانتظار نتائج الفحوص المخبرية.
تأتي هذه الإصابات بعد يوم واحد من تحذير منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” من آثار تلوث الأنهار على صحة أطفال العراق. وفي بيان أصدرته يوم 28 سبتمبر، قال ممثل المنظمة في العراق كريستيان سكوغ إن تلوث الأنهار يعرض الأطفال للأمراض وسوء التغذية، ويؤثر على تعليمهم ويهدد سبل عيش أسرهم، داعيًا إلى اتخاذ إجراءات عاجلة للحد من التلوث ومنعه.
رحبت المنظمة بدعوات وزارة البيئة ومجلس النواب لمكافحة تلوث الأنهار، مؤكدة استعدادها لدعم توسيع جمع مياه الصرف الصحي ومعالجتها وإعادة استخدامها بأمان، وتعزيز مراقبة جودة المياه وتطبيق المعايير البيئية، وتهيئة التمويل لخدمات المياه والصرف الصحي.
عام واحد للمعالجة
يعتقد الخبير البيئي رياض القريشي أن معالجة الأزمة تتطلب خططًا تمتد لسنوات، مشككًا في إمكانية المعالجة خلال عام واحد في ضوء حجم الكوارث البيئية التي تعاني منها البلاد. وأوضح في تصريح خاص أن “عامًا واحدًا ليس كافيًا، نحن بحاجة إلى خطط خمسية وعشرية تشمل خطوات متتالية تُنفذ على مدى طويل، إذا كانت الحكومة صادقة في المعالجة ولا تتجه نحو التسويف والتصريحات الصوتية”.
ووصف القريشي الإجراءات التي قامت بها وزارة البيئة حتى الآن بأنها “متواضعة وغير مُرضية للمتخصصين”، مشيرًا إلى أن النفوذ الحزبي وسيطرة شخصيات مؤثرة في القرار السياسي على المصانع في القطاع الخاص تعيق تقليص تلوثاتها، بينما تضم المشكلة أيضًا مخلفات الجهات الحكومية. وقال إن معالجة تصريف هذه المخلفات تتطلب تمويلًا لإنشاء محطات معالجة وإصلاح الشبكات، وهي مشاريع تحمل تكاليف مرتفعة، ويعتقد أن تنفيذها يواجه صعوبات في ظل ندرة الأموال والديون وضعف تطبيق القوانين.
يدعو القريشي إلى معالجة مياه الصرف الصحي ومخلفات المصانع، وزيادة الرقابة على مجاري الأنهار باستخدام الكاميرات والمستشعرات وأجهزة قياس مستويات التلوث، وربط نتائج الرصد بالإجراءات القانونية الرادعة ضد الجهات المسؤولة عن التلوث. ويؤكد أن هذه الإجراءات تحتاج إلى استراتيجية وطنية طويلة الأمد لتحسين البنية التحتية لشبكات الصرف الصحي وتحديد أولويات المشاريع مع متابعة مستمرة للتنفيذ.
نُداءات لم تشملها الطوارئ
تتسع المخاطر والانتهاكات البيئية التي يشكو منها السكان إلى تأثر السدود الترابية التي تحمي قراهم من ارتفاع مستويات المياه، فبعد إعلان الطوارئ البيئية، ظهرت نداءات من سكان منطقة أم النعاج في هور الحويزة تطالب السلطات بالتدخل لإصلاح سد ترابي تعرض للكسر منذ أشهر دون أي محاولة للإصلاح، وسط مخاوف من وصول المياه إلى منازلهم مع قدوم الأمطار الشتوية وارتفاع المناسيب، مما ينذر بحدوث كارثة جفاف أو فيضان.
ذكر الناشط البيئي الأهواري مرتضى الجنوبي أن سد لسان عجيردة، الذي يمتد طوله لنحو 80 كيلومترًا، يحتفظ بالجزء الأكبر من المياه داخل هور الحويزة، ويساعد في تنظيم مستوياتها، بينما يتم تصريف الفائض إلى اتجاه امتداد الهور في محافظة البصرة. وأوضح أن ضعف السد وتضرره يهددان قدرة الهور على احتواء المياه، مما يُعرض السكان أيضًا لمخاطر تدفق السيول الكبيرة.
وأضاف الجنوبي أن النداءات لإصلاح السد مستمرة منذ 2019، قائلاً: “كانت هناك ثلاثة شقوق رئيسية، وبعد مناشدات متكررة جاءت فرق لإصلاحها، لكن السد بقي هشًا على امتداده. نحن نطالب بعمل شامل لتقويته وحماية مخارج الهور، لأن إغلاق الشقوق وحده لا يكفي لمنع حدوث ضرر آخر”.
وأشار إلى أن الأهالي نظموا وقفة احتجاجية عند السد للمطالبة بحمايته، وقاموا بتوثيق الأضرار بمقاطع فيديو. وحسب شهادته، اقتصر التحرك على زيارة فريق لفحص الشقوق وإغلاقها، دون تنفيذ المعالجة الشاملة التي طالب بها السكان، بينما لم تتواصل معهم أي جهة بعد إعلان حالة الطوارئ البيئية.
يرى الجنوبي أن تراجع مياه الأهوار يرتبط أيضًا بإهمال مخرجات المياه، حيث قال: “تتذرع الجهات الحكومية دائمًا بقلة الأمطار، لكن عدم حماية الأهوار ومخارجها هو أحد أسباب فقدان المياه. لقد طالبنا بإطلاقات مائية تنعش الهور، مع الحفاظ على مستوى يسمح باستمرار حياة السكان ومصادر رزقهم، بدلاً من ترك المياه تتسرب من خلال مواقع الضرر”.
واتهم الجنوبي جهات لم يُسمها بفتح بعض أجزاء السد عمدًا، وتوجيه المياه نحو ناظم السويب لتجفيف أجزاء من الهور، مما يتيح التوسع في الحقول النفطية، محذرًا من أن استمرار ضعف السد قد يؤدي إلى فقدان كميات كبيرة من المياه عند تدفق السيول، مما يُهدد امتداد هور الحويزة من محافظة ميسان إلى حدود محافظة البصرة، قائلاً: “منذ سبعة أعوام نناشدهم التحرك، إذا كانت الحكومة ووزارة البيئة جادين في حماية الأهوار وحالة الطوارئ، فعليهم إصلاح هذا السد بشكل شامل، وحماية المياه التي يعتمد عليها السكان”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقالات ذات الصلة، الموضوعة في (Related Nodes field)
500 مصدر تلوث في الأنهار
ترافق إعلان الطوارئ مع حركة نيابية، إذ صوت مجلس النواب في 24 سبتمبر على توصيات لجنة الأمر النيابي رقم 63 لعام 2026، التي حققت في أسباب تلوث نهر دجلة والجهات المتسببة، مع إضافة نهر الفرات إلى نطاق التوصيات. وطالب رئيس المجلس بتشكيل فريق عمل حكومي بمشاركة نواب، مؤكدًا دعم الإجراءات المالية والفنية والتشريعية اللازمة للمعالجة، وأفاد رئيس اللجنة يوسف الكلابي أن تقريرهم سيرفع إلى رئاسة مجلس الوزراء لاتخاذ الإجراءات التنفيذية.
في تصريح سابق، أشار معاون مدير هيئة تشغيل مشاريع الري والبزل في وزارة الموارد المائية غزوان السهلاني، إلى أنه يوجد أكثر من 500 مصدر تلوث في دجلة والفرات، تتعلق بمؤسسات تابعة لوزارات الصحة والنفط والصناعة، وأمانة بغداد ودوائر المجاري، وتمتد من الحدود العراقية إلى البصرة. وهذا عدد مصادرم التلوث وليس نسبة تلوث أو كمية مخلفات.
وذكر الخبير البيئي رياض القريشي أن العراق يواجه تحديات بيئية خطيرة تُصنف ضمن الأسوأ إقليميًا وعالميًا، تشمل تلوث الهواء والمياه والتربة وإدارة النفايات، مشيرًا إلى أن بغداد تتصدر قائمة المدن العراقية الأكثر تلوثًا للهواء، وتحتل بعض الأوقات مراكز متقدمة في الترتيب المباشر لمؤشر جودة الهواء على منصة “آي كيو إير”.
وفقًا لتقرير جودة الهواء العالمي لعام 2025، الصادر عن الشركة السويسرية في مارس (آذار) 2026، احتل العراق المرتبة الحادية عشرة عالميًا والثانية في غرب آسيا بعد الكويت، بمتوسط سنوي لتركيز الجسيمات الدقيقة بلغ 38.1 ميكروغرام لكل متر مكعب، أي حوالي 7.6 أضعاف القيمة الإرشادية لمنظمة الصحة العالمية. وسجّلت بغداد متوسطًا بلغ 44.3 ميكروغرام، مقارنة بـ40.5 في العام 2024، بزيادة تقارب 9.4 في المئة، وحلت في المرتبة 127 عالميًا بين المدن المشمولة بالتصنيف السنوي.
أما بالنسبة لتلوث المياه والبيئة، فيقول القريشي إن مدن العمارة والناصرية والبصرة تُعد من المناطق الأكثر تلوثًا في الموارد المائية ونهر دجلة.
في مدينة هيت بمحافظة الأنبار، أظهر مقطع تم تداوله على وسائل الإعلام في 26 سبتمبر، بعد يومين من إعلان الطوارئ، تصريف مياه الصرف الصحي في نهر الفرات. وأعلنت وزارة البيئة في اليوم التالي أن فرقها أجرت كشفًا على “نقطة تصريف الساعة” التابعة لشعبة مجاري هيت، وسحبت عينة للفحص المختبري، وأصدرت إنذارًا إلى الجهة المعنية لاتخاذ المعالجات المطلوبة وإزالة مصدر التلوث، دون أن يتضمن الإعلان نتائج الفحص أو تأكيدًا بتوقف التصريف.
انتهاكات بيئية على مدار العام
وسبق إعلان وزيرة البيئة هذا العام حوادث تلوث كان لها آثار على السكان والثروة السمكية، ففي أبريل (نيسان) جرفت الإطلاقات المائية من سد حمرين ترسبات وملوثات عبر نهر ديالى إلى دجلة، مما أدى إلى وصول موجة التلوث إلى مناطق جنوب بغداد ومقاطعة واسط. وأظهرت صور الأقمار الصناعية انتشار خط أسود عند التقاء النهرين نحو الجنوب، بينما شهدت واسط نفوقًا واسع النطاق للأسماك وإصابات بالتسمم وأعراض جلدية استدعت دخول المستشفى، حتى اضطرت السلطات لتحذير السكان من شرب مياه دجلة وتقنين استخدام المياه لأيام في مدن متضررة.
دفع هذا الحادث مجلس النواب إلى تشكيل لجنة تحقيقية عقدت اجتماعها الأول في 19 أبريل بمشاركة مسؤولين من وزارات الموارد المائية والصحة والبيئة وأمانة بغداد. وأشار أمين بغداد خلال الاجتماع إلى أن مصادر التلوث تشمل مخلفات صناعية ثقيلة، وأن محطات المعالجة الموجودة لا تستطيع التعامل مع كميات الصرف المتزايدة مع النمو السكاني، مما يؤدي إلى تصريف جزء منها مباشرة في النهر. وهي اللجنة التي صوت المجلس على توصياتها في سبتمبر، بالتزامن مع إعلان الطوارئ البيئية.
في الصيف، تكرر نفوق الأسماك في قناة العمشان المنفصلة من نهر العز في محافظة ميسان، وأرجعت لجنة الزراعة والمياه في مجلس المحافظة هذا الحادث إلى تراجع الإطلاقات المائية المخصصة للقناة. عادت أيضًا الروائح القوية التي تشبه الكبريت إلى مناطق مختلفة من بغداد ليلة 28-29 أغسطس (آب)، بعد موجة سابقة خلال الشهر نفسه، خصوصًا في جنوب العاصمة. ربط مرصد العراق الأخضر هذه الحالة بتفريغات النفط والصناعات والحرق العشوائي للنفايات، مع ظروف جوية تساعد في احتجاز الملوثات قرب الأرض، إضافة إلى تسرب غاز الأمونيا داخل الشركة العامة لصناعة الأسمدة الجنوبية في خور الزبير / البصرة. وقد أعلنت وزارة الصحة في اليوم التالي عن تسجيل حالتي وفاة و114 إصابة، مع بقاء 21 مصابًا في المستشفيات آنذاك. تم إخلاء العاملين وسكان المنازل القريبة احتياطيًا، وتم تشكيل لجنة للتحقيق في أسباب الحادث وحوادث أخرى عديدة.
وفيات عدة بسبب التلوث
تكشف تقديرات منظمة الصحة العالمية عن أعباء صحية تتعلق بتلوث الهواء وضعف خدمات المياه والصرف الصحي في العراق. في تقريرها الخاص بالصحة والبيئة في البلاد، المنشور في يونيو (حزيران) 2025، قدرت المنظمة أن 62 في المئة من الوفيات الناجمة عن الإسهال تعزى إلى المياه غير الآمنة والصرف الصحي وضعف النظافة، بينما نسبّت 23 في المئة من الوفيات المرتبطة بمرض القلب الإقفاري والسكتات الدماغية إلى تلوث الهواء. تستند هذه التقديرات إلى بيانات العام 2019، مما يعكس امتداد الأخطار الصحية لسنوات سابقة على إعلان الطوارئ البيئية.
بينما أظهر التقرير أن متوسط تركيز الجسيمات الدقيقة في الهواء بلغ 39 ميكروغرامًا لكل متر مكعب، وفق بيانات العام ذاته، مما يعد تقريباً ثمانية أضعاف القيمة الإرشادية لمنظمة الصحة العالمية. على صعيد خدمات المياه والصرف الصحي، تشير بيانات عام 2022 الواردة في التقرير إلى أن 40 في المئة من السكان يفتقرون إلى خدمات مياه شرب آمنة، وترتفع النسبة إلى 47 في المئة بالنسبة لخدمات الصرف الصحي، وهي مؤشرات توضح حجم الفجوة في الخدمات التي يفترض أن تحمي السكان من التعرض للملوثات والأمراض.
يواجه الأطفال أخطارًا متزايدة في ظل هذه الظروف، إذ تؤكد “اليونيسف” في تقرير حول أعمالها في العراق خلال 2024 أن الأمراض المنقولة بالمياه تظل من الأسباب الرئيسية للمراضة والوفيات بين الأطفال الصغار، مستندة إلى التقرير السنوي لوزارة الصحة العراقية لعام 2022. ومعالجة مياه الصرف الصحي تساعد في تقليل تعرضهم للعديد من الأمراض مثل الإسهال والكوليرا والزحار، بالإضافة إلى تقليل مخاطر التسمم الحاد والمشكلات التنفسية المرتبطة بالملوثات.
تتسع الأخطار لتشمل التلوث الكيميائي، الذي استهدفه مشروع أعلن البنك الدولي دعمه في فبراير (شباط) 2025، من أجل التخلص من حوالي 4 آلاف طن من الملوثات العضوية الثابتة والمواد الكيميائية الخطرة أو احتوائها بأمان. وأفاد البنك بأن المشروع يستهدف تخفيض المخاطر الصحية التي تؤثر على نحو 7 ملايين شخص في العراق، بينما تبقى حصيلة الإصابات الناجمة عنها بحاجة إلى رصد صحي يحدد أنواع التعرض والأمراض المرتبطة.
