نزع الحجاب بالقوة.. المحكمة العليا في فنلندا تحسم الجدل

نزع الحجاب بالقوة.
مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR) يتضامن مع مسلمي فنلندا ويدين قرار المحكمة العليا الفنلندية الذي يسمح للشرطة بنزع الحجاب قسراً، وذلك على خلفية حادثة نزع شرطة فلندنا حجاب طالبتي لجوء في عام 2017.
وفي بيان صادر عن المجلس، وهو أكبر منظمة للحقوق المدنية والدفاع عن المسلمين في البلاد، قال إن إجبار المرأة المسلمة على خلع حجابها رغماً عن إرادتها يُعد انتهاكاً صارخاً للحرية الدينية والكرامة الإنسانية وحرمة الجسد.
ويعتبر المجلس أنه من المخيب للآمال أن تُقر أعلى محكمة في فنلندا استخدام القوة البدنية ضد أفراد مستضعفين يبحثون عن الأمان، بدلاً من إلزام أجهزة إنفاذ القانون بتبني تدابير معقولة تحترم المعتقدات الدينية وتلبي في الوقت ذاته المتطلبات الإدارية للتحقق من الهوية.
وكانت المحكمة العليا في فنلندا قد قضت بأن للشرطة مبررات قانونية لاستخدام القوة لإزالة حجاب طالبتي لجوء، لينتهي بذلك مسار قضية بدأت في مركز شرطة مدينة هامينلينا عام 2017، بحسب صحيفة “هلسنكي تايمز”.
وفي الحكم الصادر يوم 22 سبتمبر/ أيلول 2026 رفضت المحكمة التهم الجنائية الموجهة ضد ضباط الشرطة والحراس.
أوامر عليا باستخدام القوة
بدأت القصة عام 2017 عندما كانت سيدتان بصدد تقديم طلبات لجوء عندما أبلغتهما الشرطة بضرورة التقاط صور التسجيل دون غطاء للرأس، وأخبرت الشرطة السيدتين بأن موظفات فقط سيكنّ حاضرات أثناء عملية التصوير، إلا أن المرأتين رفضتا ذلك وطلبتا التقاط الصور في مركز شرطة آخر، حيث كانت قد التُقطت لهما صور تسجيل سابقة وهما ترتديان غطاء الرأس، وفقاً لصحيفة “هلسنكي تايمز”.
رفض الضباط ذلك، وطلبوا توجيهات من مسؤول رفيع المستوى، أمر بالتقاط الصور دون غطاء الرأس، وأعطى للضباط الحق باستخدام الحد الأدنى الضروري من القوة في حال أبدت المرأتان مقاومة، ومع استمرار السيدتين بالرفض تصاعد الموقف.
وقرر الضباط فصل السيدتين عن بعضهما البعض، وعندما قاومت إحداهما أمراً بمغادرة غرفة التسجيل، تم اقتيادها إلى ممر بينما كان الضباط يمسكون بمعصميها؛ وقد قاومت وحاولت العودة إلى الغرفة.
أما المرأة الأخرى فقد قاومت داخل الغرفة، وأمسك الضباط بذراعيها وثبتوها على الحائط، ثم أجلسوها عنوةً ونزعوا غطاء رأسها، وتم التقاط الصورة لها بينما كان الموظفون ممسكون بكتفها وأعلى ذراعها، ومن ثم أُعيدت المرأة الثانية إلى الغرفة وأُمسك بذراعيها أثناء التقاط صورتها أيضاً.
وبحسب هيئة الإذاعة الفنلندية العامة، رفعت السيدتان دعوى قضائية ضد الشرطة لاستخدامها العنف خلال عملية التصوير.
[embedded content]
ماذا يقول القانون الفنلندي بهذا الخصوص؟
وجّه الادعاء العام للضباط تهماً شملت الإخلال بالواجب الوظيفي والاعتداء، ووجهت للمسؤول رفيع المستوى الذي سمح للضباط باستخدام الحد الأدنى من القوة تهمة التحريض على الاعتداء.
وكانت محكمة مقاطعة “كانتا-هاميه” قد رفضت هذه التهم في عام 2022، وأيدت محكمة استئناف “توركو” ذلك الحكم في مارس/ آذار 2024، وفقاً لصحيفة “هلسنكي تايمز”.
واستندت المحكمة العليا في حكمها على القانون الفنلندي، فالتقاط الصور جزء أساسي من إجراءات تسجيل طلبات اللجوء، ويسمح القانون الفنلندي للشرطة بالتقاط الصور وجمع معلومات أخرى تتعلق بطالبي اللجوء لأغراض التحقق من الهوية.
ومع أن التشريع لا يحدد بالتفصيل كيفية التقاط الصور، إلا أن التوجيهات الوطنية للشرطة كانت تُلزم الموظفين آنذاك بتصوير الأشخاص دون ارتداء أغطية الرأس الدينية أو الثقافية، مع مراعاة الممارسات الدينية أثناء عملية التصوير.
كما استندت المحكمة إلى السوابق القضائية للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان المتعلقة بمتطلبات الظهور دون أغطية رأس دينية في الصور المستخدمة للوثائق الرسمية.
أما فيما يخص استخدام القوة ضد السيدتين، فقد قضت المحكمة العليا أن تعليمات الضابط المسؤول لم تشكل إخلالاً بواجباته الرسمية، فقد صيغت توجيهاته بشأن استخدام القوة كأمر عام يقضي بالاقتصار على الحد الأدنى الضروري من القوة، مع ترك مسؤولية تحديد التدابير التي يقتضيها الموقف للضباط الموجودين في الموقع.
واعتبرَ القضاة أن الضباط كان لديهم أسباباً قانونية لإخراج إحدى السيدتين من غرفة التسجيل بعد رفضها المغادرة، ورأت أغلبية القضاة أن حجم القوة التي استخدمها الضباط لذلك تتناسب مع حجم مقاومة السيدتين.
ويُذكر أن القانون الفنلندي يُلزم الضباط والشرطة بالاعتماد أولاً على أساليب النصح والطلب وإصدار الأوامر، فيما يعدّ استخدام القوة الملاذ الأخير وعند الضرورة القصوى وبما يتناسب مع طبيعة المهمة.
[embedded content]
“استخدام القوة ليس مبرراً”
اتخذت المحكمة العليا المؤلفة من خمسة قضاة قرارها بأغلبية أربعة أصوات مقابل صوت معارض واحد، إذ اعتبرت القاضية تويا توربينين أن استخدام القوة وتحديداً لالتقاط صور دون غطاء الرأس لم يكن مبرراً؛ لأن السيدتين عرضتا إزاحة غطاء الرأس إلى الخلف بطريقة تُبقي الوجه والأذنين مكشوفين، وفقاً لصحيفة “هلسنكي تايمز”.
وترى القاضية توربينين أن الصور بالطريقة التي اقترحتها السيدتان كانت ستتيح التعرف على هويتهما في مراحل لاحقة من عملية التسجيل.
من جانبه صرح مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية في بيانه أنه “يمكن إجراء عمليات التحقق من الهوية بسهولة بطرق توازن بين متطلبات السلامة والإجراءات الرسمية دون تجريد الأفراد من حقوقهم الدينية الأساسية”.
واعتبر أن “حرمان النساء المسلمات من حقهن في الاحتشام -بذريعة الواجب القانوني- يرسخ سابقة خطيرة تهدد الحريات الدينية في جميع أنحاء أوروبا”.
أثارت هذه الحادثة تفاعلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي وانقسمت الآراء بين مَن يؤيد سلطة القانون ويعتبر أن مَن يرغب بالعيش في بلد ما يجب عليه الالتزام بكافة قوانينه وأنظمته، في حين يرى آخرون أن ذلك يمثّل اعتداءً على الحريات الشخصية والدينية.
