بعد ربع قرن.. مسؤول أممي يرد الجميل للعراق بوفاء لا ينتهي
“لم أكن أجلس في مكتبي وألعب بالأرقام والإحصاءات، بل كنت أخرج يومياً لأرى الناس بأم عيني”، يقول كريستوف هانس فون شبونيك، في حوار خاص مع DW عربية، يحكي فيه عن أيام عمله في العراق أثناء الحصار الاقتصادي الذي فُرض على العراق في تسعينات القرن الماضي بعد حرب الكويت. ويختصر فيه علاقته ببلد لم يغادر ذاكرته إلى الآن. فالعراق كان بالنسبة له ليس فقط مهمة مهنية عابرة، بل ترك أثراً إنسانياً عميقاً في حياته، بتجارب إنسانية لم ينسها حتى بعد 25 عاماً.
حين تولى فون شبونيك منصب منسق الأمم المتحدة لبرنامج “النفط مقابل الغذاء”، في أواخر تسعينيات القرن الماضي، كان يعلم مسبقاً أن عمله لن يقتصر فقط على إدارة البرنامج، بل سيتمثل في محاولة لمساعدة الملايين من العراقيين ممن ذاقوا تداعيات الحصار لأكثر من عشرة أعوام.
يقول فون شبونيك: “كنت مدركاً للوضع الإنساني للعراقيين آنذاك، وقد كان حاضراً في ذهني منذ الوهلة الأولى، بعدما اطلعت على حجم المعاناة التي يعيشها العراقيون”. ويضيف أن برنامج “النفط مقابل الغذاء” لم يكن كافياً لتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة للسكان، ويقول: “كان البرنامج يعطي ما يعادل خمسين سنتاً للفرد الواحد آنذاك، ولك أن تتخيل ماذا يمكن أن يفعل المرء بخمسين سنتاً فقط؟”.
لذلك لم ينظر إلى مهمته على أنها مجرد إدارة لبرنامج “إنساني”، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية بالدرجة الأولى.
بالنسبة لشبونيك، العمل لا يعتمد على المهام والواجبات، بل يؤمن بمقولة: “يجب أن نشعر بعقولنا وأن نفكر بقلوبنا”.
[embedded content]
قرار الانسحاب
بعد محاولات مع مجلس الأمن الدولي ، ونداءات متكررة إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك، للمطالبة بتوفير موارد إضافية لمساعدة العراقيين، باءت تلك المحاولات بالفشل، ويضيف: “تلك النداءات اصطدمت بجدار سياسي أقوى من إرادتي على إحداث تغيير”.
أدرك شبونيك بعد مرور الأشهر، أن استمراره في منصبه قد يجعله بصورة غير مباشرة شريكاً في سياسة لا تخدم الشعب العراقي. ويقول: “لو واصلت عملي، لكنت مساهماً في استمرار معاناة أكثر من 23 مليون عراقي، ولم يكن في مقدوري الموافقة على ذلك أخلاقياً”.
على ضوء ذلك، استقال كريستوف هانس فون شبونيك في فبراير/ شباط 2000.
هدية بائع “الصمون”
من بين الذكريات الكثيرة التي يحملها فون شبونيك معه من العراق إلى الآن، عودته في ساعات المساء المتأخرة من عمله في بغداد برفقة سائقه العراقي، حين كانا يتوقفان دائماً عند المخبز نفسه لشراء الصمون العراقي. أصر حينئذٍ الخباز على إهداء شبونيك هدية بسيطة بمناسبة عيد الفطر، كانت حزاماً صنعه بيده.
ويصف فون شبونيك دهشته بكرم العراقيين ومحاولتهم صنع الأمل في مشهد لن ينساه في حياته: “كنت حقاً مندهشاً لأنني كنت متأكداً بأنه هو من كان بأمس الحاجة إلى هذا الحزام، لكن من كرمه وبمناسبة العيد أهداه لي أنا. حملت هذه الهدية بالنسبة لي معنى أكبر بكثير من قيمتها المادية”.
ورأى فيها تعبيراً صادقاً عن كرم العراقيين وإنسانيتهم، رغم الظروف الصعبة التي كانوا يعيشونها آنذاك.
كانت هذه المواقف الصغيرة كافية بالنسبة لفون شبونيك لتظهر حجم السخاء والعطاء الذي يحمله العراقيون في قلوبهم، حتى في أحلك الظروف، كما يقول.
ويضيف المسؤول الأممي السابق أن هذه الذكريات والتجارب رسخت في نفسه قناعة بأن “التعامل الإنساني يولد إنسانية مماثلة”، وبهذا الشأن يذكر مثلاً يقول: “كيف تنادي في الغابة، يعود إليك الصدى”.
علاقات إنسانية خارج المكتب
لم تكن تجربة شبونيك محصورة في مقر عمله أو خلف التقارير والإحصائيات. فقد كان يزور المرضى والمستشفيات في بغداد لتكوين صورة حقيقية وواقعية عما كان يعيشه العراقي آنذاك: “كنت أزور المستشفيات بشكل يومي، لقد كان هذا جزءاً أساسياً من عملي، لم أكن أجلس في مكتبي وأتعامل مع الأرقام فقط، بل كنت أخرج وأتنقل في جميع أنحاء البلاد”.
كان بالنسبة لهانس فون شبونيك التعرف على الناس واللقاء بهم خارج المكتب وبعيداً عن روتين العمل مهماً جداً، فقد كان يزور عوائل عراقية، وكانت هذه العوائل تستضيفه بين الحين والآخر في منازلهم.
ويذكر في إحدى زياراته طفلة عراقية صغيرة كانت تعزف على آلة الناي: “أخبرني والدها، بعد أن انتهت من العزف، أنها تعزف المقطوعة نفسها منذ سنوات، لأن النوتات الموسيقية كانت من المواد التي لا يُسمح باستيرادها بسبب الحصار”. ويصف شبونيك هذه القصة بـ”عبثية العقوبات” التي وصلت شدتها إلى حرمان شعب من الموسيقى، رغم أنه لا ذنب له بما حصل.
علاقة لم تنته بمغادرة العراق
لم تنته علاقة فون شبونيك بالعراق باستقالته من منصبه في الأمم المتحدة، ولم يقتصر الأمر على تواصله مع أصدقائه هناك، بل اتخذ شكلاً جديداً من الدعم الإنساني، عابراً الحدود الجغرافية والمسميات الدينية.
وساعد صديقه وسائقه السابق ليث على المجيء إلى ألمانيا لإجراء عملية في ساقه. ولم يكن ليث هو الوحيد الذي تلقى مساعدة علاجية من فون شبونيك: “جلبت حوالي 15 أو 16 مريضاً عراقياً إلى أوروبا للعلاج، بعضهم كان يعاني من أمراض خطيرة”.
وأشار إلى أن بعض هذه الأمراض ربما كانت مرتبطة بتلوث بيئي خطير في جنوب العراق.
كما أوضح أن تمويل هذا البرنامج جاء من مصدرين: تبرعات شخصية لتغطية تكاليف السفر، بينما تكفلت المستشفيات بتكاليف العلاج والإقامة.
دعم علمي لشباب العراق
“بعد استقالتي زرت العراق حوالي إحدى عشرة مرة بين عامي 2000 و2003، إما مع الإعلام الألماني أو بشكل شخصي. وكان هدفي هو الاستمرار في برنامج المنح الدراسية للطلاب العراقيين الذي كنت قد بدأت به”.
حرص فون شبونيك على دعم التعليم من خلال منح دراسية ضمن نظام “الكليات العالمية المتحدة (United World College System)”، وهو نظام مدارس دولي خاص منتشر في مختلف دول العالم.
يؤمن فون شبونيك بأن التعليم هو الاستثمار الحقيقي الذي يؤثر إيجابياً في مستقبل العراق، ويوضح: “تمكنا خلال اثني عشر عاماً من منح نحو 150 منحة دراسية لطلبة عراقيين من شتى أنحاء العراق”.
هذا النظام التعليمي لا يهدف فقط إلى تعليم الطلاب أكاديمياً، بل أيضاً إنسانياً، حيث يتم التركيز على التعاطف والتفاهم. في هذا السياق يقول فون شبونيك في حواره مع DW عربية: “أنا أؤمن بأن الإنسان هو الأساس الذي تُبنى عليه الحضارات والمجتمعات بعد سنوات من الحصار والحروب”.
ولم يتوقف هانس فون شبونيك عند المنحة فقط، بل يساعدهم بعد التخرج من المدرسة في الحصول على منحة لإكمال الدراسة في إحدى الدول الأوروبية أو في أمريكا الشمالية.
حرص هانس فون شبونيك على نقطتين أساسيتين في اختيار الطلاب، وهما مشاركة الفتيات بشكل أساسي، وعدم التمييز بين الطوائف أو المجموعات العرقية في العراق، ويضيف: “كنت أصر على أن تكون هناك فتيات ضمن المرشحين، وألا يكون هناك أي فرق في الاختيار بين الشيعة والسنة والأكراد “.
قصة نجاح لفتاة كردية
ذكر فون شبونيك طالبة من بين الطلاب الذين اختارهم، فتاة من اربيل شاركت لاحقاً في مشروع كتاب كبير حول إصلاح الأمم المتحدة، حيث كتبت نصاً يعبر عن حلمها بالأمم المتحدة. ويضيف: “اخترت فتاة من أربيل، وطلبت منها أن تكتب عن حلمها بالأمم المتحدة، وقد ساهمت لاحقاً بشكل كبير في كتابته”.
ويتابع: شارك في الكتابة تسعة أصوات شبابية، ثمانية نساء ورجل واحد، مع مشاركات من دول متعددة مثل روسيا وألمانيا.
ويصف هذا الدعم بأنه يهدف إلى إظهار امتنانه للشعب العراقي، ويقول: “كان هذا البرنامج تعبيراً عن امتناني للشعب العراقي وكيفية معاملتهم لي خلال وجودي هناك”.
وأكد على أهمية المسؤولية الصحفية عند تناول الواقع العراقي، مشيراً إلى أن نقل هذه التجربة يحتاج إلى دقة وعمق، ويضيف: “عندما نعرض واقع العراق، يجب أن تكون هناك مسؤولية، لأن الموضوع ليس سهلاً”.
