برهم صالح: يجب حماية الفارين من ديارهم، لكن مستقبلهم لا يمكن أن يكون النزوح لأجل غير مسمى

برهم صالح: يجب حماية الفارين من ديارهم، لكن مستقبلهم لا يمكن أن يكون النزوح لأجل غير مسمى

برهم صالح: يجب حماية الفارين من ديارهم، لكن مستقبلهم لا يمكن أن يكون النزوح لأجل غير مسمى

جاء ذلك خلال افتتاح الدورة السابعة والسبعين للجنة التنفيذية للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، حيث ذكـّر ممثلي الحكومات بأن أكثر من 117 مليون شخص ما زالوا مشردين من ديارهم اليوم بسبب النزاعات والعنف والاضطهاد وتهديدات أخرى.

وفي أول خطاب له أمام اللجنة منذ توليه منصبه، قال صالح إن ما رآه خلال الأشهر التسعة الماضية عزز لديه قناعة راسخة: “علينا حماية الناس عندما يضطرون إلى الفرار، لكن لا يمكننا القبول بأن يكون النزوح لأجل غير مسمى هو مستقبلهم”.

وأشار إلى أن النزاعات أصبحت أكثر استعصاء وطولا، وأن فترات النزوح باتت تمتد لفترات أطول في ظل تقلص الموارد، وأضاف: “هذه لحظة صعبة بالنسبة للمفوضية، لكنها أيضا تذكير بأسباب احتفاظ المفوضية بأهميتها وحيويتها وكونها لا غنى عنها”.

وشدد المفوض السامي على أهمية المساعدات الإنسانية، لكنها لا يمكن أن “تعوض إلى ما لا نهاية” عن آثار الحروب التي لم تحل، مضيفا أن إنهاء هذه الحروب يتطلب قيادة سياسية. 

كما سلط الضوء على الحاجة إلى استثمار أكبر في منع نشوب النزاعات، والدبلوماسية، وبناء السلام، والتنمية، قائلا: “لا ينبغي قياس السلام بمجرد توقيع الاتفاقيات، بل بالتغيير الذي يطرأ على حياة الناس. وحتى يتحقق ذلك، وللأسف وبكل ألم، سيستمر الناس في الفرار. وعندما يفعلون ذلك، تكون مسؤوليتنا واضحة: يجب أن يجدوا الحماية”.

الحماية في ظل ضغوط متزايدة

وبمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لاتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، حث صالح الدول على ضمان الحق في اللجوء والالتزام بمبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يحظر إعادة اللاجئين إلى أماكن تتعرض فيها حياتهم أو حريتهم للخطر.

وفيما أقر بالضغوط التي تواجهها أنظمة اللجوء الوطنية وبالتحديات التي تفرضها التحركات المختلطة للمهاجرين واللاجئين، وأنشطة المهربين والمتاجرين بالبشر، أشار إلى أن الحل لا يكمن في التخلي عن تطبيق الاتفاقية، بل في تطبيقها بفعالية أكبر من خلال إجراءات عادلة للجوء، وحماية أنظمة اللجوء من إساءة الاستخدام، وتقديم دعم أقوى للدول المضيفة، وتوفير مسارات نظامية إضافية.

ولفت الانتباه إلى أن الدول التي تمثل 27% من الثروة العالمية تستضيف 80% من لاجئي العالم، داعيا إلى تعزيز تقاسم المسؤولية دوليا. واستشهد صالح بمثال لبنان، الذي يستضيف واحدة من أكبر أعداد اللاجئين في العالم نسبة لعدد سكانه، في حين تواجه البلاد موجات واسعة من النزوح الداخلي.

وأضاف قائلا: “نحن لا نتخلى عن وعد لمجرد أن الوفاء به أصبح صعبا. ففي تلك اللحظات تبرز أهمية الوعد. إن الحماية أمر لا غنى عنه، لكن مسؤوليتنا لا تنتهي عند حدود توفير الأمان، بل يجب أن تشمل أيضا إيجاد حلول دائمة”.

وقال المفوض السامي إنه، في الكثير من الأحيان، تتحول الأوضاع المؤقتة للاجئين إلى حالات دائمة، والبرامج المصممة لضمان البقاء تتحول إلى أنظمة دائمة تكرس الاعتماد على الغير. وشدد على ضرورة العمل “من أجل مستقبل لا يجبر فيه جيل من اللاجئين على توريث حالة النزوح للجيل الذي يليه”.

© UNICEF/Ramadhan Sulayman
الناس يعبرون الحدود من لبنان إلى سوريا في حمص الريفية.

من المساعدات الطارئة إلى الحلول الدائمة

وتطرق صالح إلى مبادرة أطلقتها المفوضية في وقت سابق من هذا العام، تهدف إلى خفض عدد اللاجئين الذين يعيشون في حالة نزوح ممتد ويعتمدون على المساعدات الإنسانية إلى النصف بحلول عام 2035.

وقال إن ما يقرب من 14.5 مليون لاجئ في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل يعتمدون اليوم على المساعدات لتلبية احتياجاتهم الأساسية، وشدد على أن الهدف من هذه المبادرة ليس “تقليص المساعدات الإنسانية”، بل هو “التزام بالحد من الحاجة إليها”.

وأضاف: “لا يمكننا ادعاء النجاح لمجرد خفض المساعدات أو نقل المسؤولية إلى الدول المضيفة. فالنجاح يقاس بمدى تحسن حياة الناس فعليا وتحولهم إلى أفراد معتمدين على أنفسهم ومساهمين بفاعلية في مجتمعاتهم. أما بالنسبة لأولئك الذين لا يزالون بحاجة إلى الدعم الإنساني، فإن مسؤوليتنا تجاههم تظل قائمة”.

وأعلن أن المفوضية ستطلق قريبا استراتيجية عالمية، من شأنها تعزيز فرص الحصول على العمل والتعليم والوثائق والخدمات المالية والخدمات الوطنية، مع دعم وتسريع العودة الطوعية حيثما تسمح الظروف، والاندماج المحلي، وإعادة التوطين، وغيرها من المسارات، وذلك للبناء على الجهود والشراكات القائمة بالفعل.

نقص التمويل يهدد جهود الحماية

وقال المفوض السامي إن هناك مطالب متزايدة تفرض على الاستجابة العالمية لأزمة اللاجئين، في وقت تتوفر فيه موارد أقل لدعم هذه الاستجابة.

وحتى يوم الجمعة الماضي، كانت المفوضية قد تلقت ثلاثة مليارات دولار من التمويل، وهو ما يمثل 35% من احتياجاتها التمويلية للعام الحالي. وشدد صالح على أن نقص التمويل يهدد بالفعل الخدمات المقدمة للناجيات من العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات في السودان وللأطفال الذين يحتاجون إلى الحماية في تشاد.

وأشار إلى أن القوى العاملة في المفوضية قد تقلصت منذ عام 2024 من 20 ألف موظف إلى أقل من 12 ألفا. وأوضح أن الإصلاحات التي تقوم بها المفوضية ستجعلها أكثر رشاقة وتتمتع بصلاحيات ميدانية أقوى، لكنه حذر من أن الكفاءة لا يمكنها التعويض إلى ما لا نهاية عن تناقص الموارد.

وأضاف: “للكفاءة حدود. ستأتي لحظة لا يمكن فيها لمزيد من الكفاءة أن يعوض نقص الموارد. وعندما ينخفض ​​التمويل دون ذلك الحد، فإن العواقب لا تكون مجرد أمور نظرية، بل يتحملها الأشخاص الذين يعتمدون على [هذا التمويل]”.

وذكّر صالح المندوبين بأن أحدا لا يعلم من قد يضطر للفرار غدا، أو من قد يطلب منه توفير الملاذ للآخرين. وشدد على أنه في حين أن اتجاهات النزوح قد تتغير، فإن “مسؤولية الحماية يجب ألا تتغير”. 

وأضاف: “بعد 75 عاما من الآن، سينظر جيل آخر إلى الخيارات التي نتخذها اليوم. فهل سيرون عالما أدار ظهره عندما أصبحت المسؤوليات صعبة، أم عالما تذكر الدروس من تاريخه؟”

شارك الخبر