حرائق الغابات تندلع في رئة تونس الخضراء

حرائق الغابات تندلع في رئة تونس الخضراء
تغطي الغابات في تونس حوالي 1.2 مليون هكتار، ما يعادل نحو 8.5 في المئة من المساحة الكلية للبلاد، وتحتوي على تنوع غني من الأشجار والنباتات المحلية، التي تعتبر موطناً للعديد من الحيوانات والطيور والنباتات النادرة. ومع التغيرات المناخية، تواجه غابات تونس اليوم مجموعة من التحديات، مثل التمدد العمراني والانتهاكات البشرية والحرائق التي تتسبب سنوياً في تدمير آلاف الهكتارات.
تتقاسم دول شمال وجنوب البحر الأبيض المتوسط أعباء التغيرات المناخية ومظاهرها القاسية، حيث تجاوزت المساحات المحترقة من الغابات في فرنسا هذا العام 70 ألف هكتار، و130 ألف هكتار في إسبانيا. بينما نتجت الخسائر في تونس بين شهر مايو (أيار) الماضي ويوليو (تموز) الجاري حوالي 4400 هكتار، مقارنة بـ2705 هكتار خلال نفس الفترة من العام السابق.
ومع استمرار الحرائق وتوسعها في مناطق شاسعة كل عام، يتضح أن هناك حاجة حقيقية إلى التخطيط الفعال وتوفير الموارد اللوجستية والبشرية اللازمة لمواجهتها. فما السبب وراء خسارة تونس سنوياً لآلاف الهكتارات من غاباتها؟ وهل يتم إعادة تشجير تلك المناطق المحترقة؟ ولماذا لم تقم البلاد بتغيير استراتيجيتها في التعامل مع الحرائق؟
مع بدء كل صيف، تعود صور حرائق الغابات ووفاة بعض الحيوانات لتؤثر على مشاعر التونسيين، خاصة في المناطق الغابية الأكثر ضعفاً، والتي تعد موطناً لحوالي مليون نسمة، حيث تمثل الحرائق كابوساً يهدد ممتلكاتهم ومنازلهم. وتعتبر الغابات المصدر الوحيد لرزقهم، وتستنزف جهود فرق الحماية المدنية وأعوان الغابات، ويُعتبر العامل البشري السبب الرئيسي وراء نشوب الحرائق، مما يتطلب زيادة التوعية واليقظة، بالإضافة إلى تشديد العقوبات على المتسببين في الحرائق بشكل متعمد.
على الرغم من جهود وحدات الحماية المدنية وأعوان الغابات على مدار الساعة، فإنه يتعين على الدولة استثمار المزيد في هذا القطاع من خلال توفير الميزانيات والآليات والمعدات الضرورية. ويُشير في هذا السياق إلى التقلص الملحوظ في الإمكانات البشرية المتاحة للإدارة العامة للغابات، حيث تراجعت من 800 عون في عام 2000 إلى 260 حالياً.
الغابات ليست أولوية في السياسات العامة
يؤكد أستاذ إدارة الموارد في الجامعة التونسية، حسين الرحيلي، على أهمية “زيادة الاستثمار في القطاع الغابي، كونه ثروة وطنية ونظام بيئي إيكولوجي، وإعداد برنامج لتكييف مع التغيرات المناخية، حتى لا نفقد المزيد من الغابات، عبر العناية بالأحراش القابلة للاشتعال والتي تقع على جوانب الطرق، وصيانة المسالك الفاصلة بينها لتقليل انتشار الحرائق”. ويشير إلى أن “البلاد لم تدرك بعد حجم التحولات المناخية، ولذلك تتبع طرقاً تقليدية في التعامل مع الحرائق”، مشدداً على أن “التغيرات المناخية المتطرفة في تونس ساهمت في اتساع نطاق الحرائق”.
في تصريحات لـ”اندبندنت عربية”، دعا الرحيلي إلى “إدراج قطاع الغابات ضمن الأولويات في ضبط الميزانيات ورسم السياسات العامة للبلاد، من خلال توفير الإمكانيات اللوجستية لمواجهة الحرائق، مثل الطائرات الحديثة في إطار التعاون الدولي”.
إستراتيجية تفتقر إلى الشمولية
ومن جانبه، أوضح “المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية” في بيان له، وجود “خلل هيكلي مزمن في نظام الوقاية والاستباق وإدارة المخاطر البيئية، يتمثل أبرزها في نقص عدد حراس الغابات، وضعف أنظمة المراقبة والإنذار المبكر، وصيانة المسالك الغابية وخطوط قطع النار في الغابات”، وطالب بـ “تعزيز قدرات المؤسسات المعنية بحماية الغابات ومواجهة الكوارث الطبيعية، ورصد الإمكانيات البشرية والمادية والتقنيات الحديثة اللازمة لأداء مهامهم”، مشدداً على “ضرورة تعويض كل من طالتهم الحرائق في مساكنهم أو مصادر رزقهم”، وداعياً الجهات المعنية إلى “تعزيز الجانب التخطيطي والاستباقي في الاستراتيجية الوطنية للوقاية من حرائق الغابات لضمان جاهزيتها للتكيف مع التغيرات المناخية”.
التكنولوجيا لرصد ومتابعة الحرائق
في المقابل، لا ينكر المهندس البيئي والمتخصص في المناخ، حمدي حشاد، وجود استراتيجية في مجال التعامل مع الحرائق، لكنه يجدها “غير كافية”، ويشدد على ضرورة أن “يتحول التشجير وصيانة الغطاء النباتي إلى مبدأ سياسي”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقالات ذات الصلة، الموضوعة في (Related Nodes field)
ويؤكد حشاد أن “المجهودات التي تبذلها الحماية المدنية وحراس الغابات والجيش، موزعة رغم أهميتها وفعاليتها”، مشدداً على “ضرورة استخدام التكنولوجيا والتقنيات الحديثة في الرصد والمتابعة للسيطرة على الحرائق في زمن قصير”.
ويختتم حشاد بقوله إن “الغطاء الغابي في تونس كان يمثل قبل عام 2011 نحو 11 في المئة من مساحة البلاد، بينما انخفض اليوم إلى 8.5 في المئة، وأن تونس كانت تزرع 4 آلاف هكتار من الأشجار سنوياً قبل عام 2011، بينما تراجع هذا الرقم حالياً إلى حوالي 1000 هكتار سنوياً”.
فقدان 70 ألف هكتار منذ عام 2011
جدير بالذكر أن المدير العام للغابات بوزارة الفلاحة، محمد نوفل بن حاحا، أكد في تصريحات إعلامية أن “تونس فقدت حوالي 70 ألف هكتار من الغابات نتيجة الحرائق منذ عام 2011″، مشيراً إلى أن “جزءاً من المساحات المتضررة يتعافى طبيعياً، نظراً لقابلية عدة أصناف من الأشجار والنباتات للتجدد، بينما يتطلب الجزء الآخر تدخلاً بشرياً، من خلال حملات تشجير تنظمها الإدارة أو مكونات المجتمع المدني”.
وأضاف حاحا أن “الإدارة العامة للغابات استطاعت خلال السنوات الثلاث الماضية تشجير 10 آلاف هكتار من المساحات المتضررة، بينما تم تشجير حوالي 5 آلاف هكتار من قبل مكونات المجتمع المدني”، مشيراً إلى أن “there is intention to seek assistance from small and emerging enterprises to provide drones to help in monitoring and controlling fires”.
ولا تقتصر تداعيات حرائق الغابات على البعد البيئي، رغم أهميته، بل تمتد إلى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية للسكان في المناطق الغابية، نظراً لما تجلبه من ثروات وعائدات مادية، إذ تسهم بنسبة 14 في المئة من الناتج المحلي الفلاحي و1.4 في المئة من الناتج المحلي الوطني، بينما يتطلب غطاء الغابات خمسة أعوام للتجديد، بعد اتباع المنطقة التي تأثرت بالنيران لبروتوكولات خاصة.
