المناطق المائية في الجزائر تواجه تحدي الاستمرار

المناطق المائية في الجزائر تواجه تحدي الاستمرار

المناطق المائية في الجزائر تواجه تحدي الاستمرار

تحوي الجزائر مناطق رطبة طبيعية تمتد لتشمل البحيرات والسبخات والمستنقعات والواحات، وتكتسب أهمية تتجاوز كونها مجرد مساحات مائية أو موائل للطيور، حيث تلعب دوراً رئيسياً في الحفاظ على التنوع البيولوجي وتنظيم الدورة المائية والحد من بعض تأثيرات الفيضانات والجفاف، بالإضافة إلى دعم الأنشطة الاقتصادية المحلية كالصيد والسياحة البيئية وتربية الماشية في بعض المناطق.

خطر قريب

تعاني هذه النظم الطبيعية من ضغوط متزايدة أبرزها تصريف مياه الصرف الصحي والنفايات والتلوث الزراعي، واستنزاف المياه، والردم والتوسع العمراني العشوائي، حيث تكشف الممارسات اليومية عن تهديدات جسيمة للمناطق الرطبة في الجزائر تهدد استمراريتها بالكامل.

في 28 سبتمبر (أيلول) الفائت، نشرت جمعية “الدراجة الخضراء” في عنابة (شرق الجزائر)، على “فيسبوك”، صوراً توثق أكواماً من النفايات التي خلفها زوار محمية طنقة (بحيرة طونغا) في ولاية الطارف، مما يظهر حالة مقلقة من التلوث التي تعاني منها هذه المعلم الطبيعي المعترف به دولياً.

ودعت الجمعية إلى تنظيم حملة لتنظيف المنطقة، واقترحت في منشورها غلق بحيرة “طونغا” لفترة أمام الزوار، حفاظاً على المحمية من كميات النفايات التي تخنقها، بحسب تعبيرهم.

تعد بحيرة “طونغا” ذات قيمة بيئية استثنائية مما يجعل التحذير من خطرها ذا أهمية كبيرة، فهي جزء من الحظيرة الوطنية للقالة التي أُنشئت عام 1983، واعتُبرت محمية محيط حيوي من قبل منظمة “يونسكو” عام 1990، وهي مدرجة ضمن اتفاقية “رامسار” للأراضي الرطبة ذات الأهمية الدولية منذ عام 1971.

تستضيف البحيرة أكثر من 132 نوعًا من الطيور المائية، 56 منها تحت الحماية القانونية، بجانب 10 أنواع من الثدييات، وتعتبر محطة تعشيش رئيسية في شمال أفريقيا للأنواع المهددة بالانقراض كالبط الأبيض الرأس.

تستقطب المكونات الطبيعية في محميات حظيرة القالة يومياً، على مدار الفصول الأربعة، العديد من الزوار من داخل الولاية وخارجها وحتى من دول أخرى، بما في ذلك العائلات والفرق الجامعية والرحلات المدرسية والسياح.

رداً على التحذيرات التي أطلقتها جمعية “الدراجة الخضراء”، جندت إدارة الحظيرة الوطنية مواردها المادية والبشرية، بمشاركة بعض الجمعيات المحلية، في حملة تنظيف استهدفت المواقع المتضررة، لا سيما تلك التي تجذب زوار الطبيعة والبيئة.

لم تكن هذه المرة الأولى التي تُعبّر فيها جمعية حماية البيئة والطبيعة عن مخاوفها بشأن تدهور النظام البيئي لبحيرات الطارف، حيث حذرت سابقاً من نفوق أعداد من الأسماك والطيور المهاجرة في بحيرات الملاح وطونغا والأوبيرة، بسبب الصرف العشوائي لمياه الاستخدام.

ثروة طبيعية

توجد في الجزائر 16 مجمعاً رئيسياً و103 مجمعات فرعية، تشمل 2375 أرضاً رطبة، منها 2056 أرضًا رطبة طبيعية و319 منطقة صناعية، بما في ذلك 50 منطقة رطبة (3 ملايين هكتار)، مصنفة في قائمة “رامسار” للأراضي الرطبة ذات الأهمية الدولية، وفقاً للاستراتيجية الوطنية للأراضي الرطبة التي وضعتها المديرية العامة للغابات.

تساهم الأراضي الرطبة في الجزائر في تنظيم الموارد المائية، والحد من الفيضانات، والتكيف مع التغيرات المناخية، بالإضافة إلى دعم الأنشطة المحلية مثل صيد الأسماك والزراعة والسياحة البيئية.

من خلال المصادقة على اتفاقية “رامسار” في عام 1982، التزمت الجزائر بالحفاظ على أراضيها الرطبة لضمان صيانتها واستغلالها بشكل منطقي ومستدام، من خلال وضع استراتيجيتها الوطنية للمناطق الرطبة.

تتنوع هذه المناطق في الجزائر لتشمل الشمالية: كبحيرة طونغا وبحيرة أوبيرة (القالة)، والهضاب العليا: كـشـط الحضنة، والذي يشكل محطة استراتيجية للطيور المهاجرة بين أفريقيا وأوروبا، والصحراء الكبرى: كشط ملغيغ (أخفض نقطة في الجزائر) وواحة تيميمون، حيث تؤدي الأراضي الرطبة دوراً محورياً في الحفاظ على الكائنات الفقارية ونظام الري التقليدي.

تابع القراءة

هذا القسم يحتوي على مقالات ذات صلة، الموجودة في (Related Nodes field)

وفقاً للخبراء البيئيين، تتمثل أهمية المناطق الرطبة في قدرتها على امتصاص الكربون بمعدل يفوق الغابات بكثير، مما يجعلها ذات أهمية خاصة فيما يتعلق بالتغير المناخي، كما تُعتبر مراكز للتنوع البيولوجي، وعلى الرغم من تغطيتهما ستة في المئة فقط من المساحة الكلية للأرض، فإنهما موطن لـ40 في المئة من جميع الكائنات الحية.

كما تعمل كمصفاة طبيعية، حيث تمتص الصدمات الناتجة عن الفيضانات والعواصف، وتقوم بتنقية المياه من الملوثات والترسبات قبل تدفقها إلى المجاري المائية.

وفقاً للتقديرات العالمية، فإن العالم يفقد الأراضي الرطبة بمعدل أسرع بثلاث مرات من معدل فقدان الغابات، فقد فقد بالفعل أكثر من 80 في المئة من هذه الأراضي منذ عام 1700.

وظائف بيئية

تشير منال سخري، المتخصصة والباحثة في السياسات البيئية، إلى أن للمناطق الرطبة أهمية بالغة، فهي ليست مجرد مناطق مائية، بل تؤدي وظائف بيئية حيوية.

وفسرت سخري، في تصريح خاص، أن المناطق الرطبة تساعد على تنظيم المياه وتقليل مخاطر الفيضانات، وتحافظ على التنوع البيولوجي، وتوفر موائل للعديد من الأنواع، وتزداد أهميتها اليوم في ظل التغيرات المناخية والضغط المتزايد على الموارد المائية.

كما أكدت على أن حماية المناطق الرطبة يجب أن تبدأ الوقاية، من خلال تحسين الرقابة على جودة المياه ومصادر التلوث، ومنع الردم والتعدي، ومن الأهم أن تكون هذه المناطق مدرجة بوضوح في خطط التهيئة والتوسع العمراني، لأنه ليس هناك فقط ما يحدث في المنطقة الرطبة، ولكن أيضا ما يجري في محيطها وحوضها المائي.

وأضافت المتحدثة “أعتقد أن التحدي الرئيسي هو الانتقال من التدخل بعد وقوع الضرر إلى التخطيط المسبق والوقاية، فحماية منطقة رطبة اليوم أفضل وأقل تكلفة من محاولات استعادة وظائفها البيئية بعد فقدانها”.

بدوره، قال مارينوس إل أوتي، الباحث الأميركي في جامعة ولاية داكوتا الشمالية، إنه لم يعد هناك أي أراضٍ رطبة “بكر” في أي مكان بالعالم، وهذا يعتبر مشكلة خطيرة، إذ إن الأراضي الرطبة توفر معظم وأهم خدمات النظام البيئي مقارنة بأي نظام بيئي آخر في العالم.

وخلال محاضرة بعنوان “تأثير تغير المناخ على المناطق الرطبة” في جامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا بالجزائر، أوضح مارينوس إل أوتي أن التقديرات العالمية تشير إلى أن حوالي 25 في المئة من الأراضي الرطبة قد اختفت، وفي بعض المناطق، خصوصًا القاحلة، تقترب هذه النسبة من 90 في المئة، قائلاً “لقد تأثرت جميع الأراضي الرطبة تقريباً الواقعة بين خطي عرض 40 درجة جنوبيًا و60 درجة شماليًا إلى حد ما”.

وأشار إلى أن المناطق الرطبة تعمل على تنقية مياهنا، وتمنع التغيرات الهيدرولوجية (الجفاف والفيضانات)، وتوفر موطناً للعديد من الكائنات الحية وتحافظ على التنوع البيولوجي، وتعطي ممرات الهجرة والغذاء وحتى مواد البناء للاستخدام البشري.

تحرك ميداني

تشير وداد ليشاني، المتخصصة في القانون البيئي، إلى أن القوانين في التشريع الجزائري والاتفاقات الدولية المتعلقة بحماية المناطق الرطبة، يجب ألا تبقى مجرد نصوص على الورق بل يجب تطبيقها على أرض الواقع.

وأوضحت ليشاني في تصريحات صحفية أن “الجزائر أمام اختبار حقيقي لتطبيق القانون البيئي بحزم”، ورأت أن “الاعتداء على المناطق الرطبة يعد جريمة بيئية واضحة ينبغي معاقبة مرتكبيها قانونياً”.

ودعت إلى “ضرورة دق ناقوس الخطر بشأن وضع المناطق الرطبة في الجزائر، والتحرك الفوري لوضع تشريعات حماية خاصة ومحينة، تترافق مع تفعيل شرطة البيئة واستحداث آليات رقابية ميدانية صارمة تحول النصوص المكتوبة إلى حماية فعلية مستدامة على أرض الواقع”.

وحذرت ليشاني من “ترك النشطاء يتعاملون مع الكارثة بمفردهم، بينما ينبغي أن تكون حماية المناطق الرطبة مسؤولية مؤسساتية وقانونية ومجتمعية شاملة، وليس مجرد مبادرة فردية يدفع ثمنها الناشط من صحته وحياته”.

شارك الخبر