الحياة البرية تستعيد مجموعة من أنواعها المهددة بالفناء

الحياة البرية تستعيد مجموعة من أنواعها المهددة بالفناء

الحياة البرية تستعيد مجموعة من أنواعها المهددة بالفناء

على مدى السنوات القليلة الماضية، كانت كلمة “انقراض” هي الأكثر شيوعًا في تقارير الحياة البرية، حيث كانت الأخبار تشير إلى تراجع الأعداد واختفاء المواطن وانقراض أنواع إلى الأبد.
ولكن مع وجود العديد من التحديات والنشاطات البشرية الضارة بالطبيعة وبيئتها، فإن هذا الوضع يشهد تحولًا اليوم، حيث ارتفع عدد ببغاء الكاكابو المهدد بالانقراض في نيوزيلندا إلى 325 طائرًا، وفي المكسيك زاد عدد نمور اليغور ليصل إلى أكثر من 5300 حيوان بزيادة تزيد عن 30 في المئة منذ عام 2014، كما بدأت خيول برزوالسكي بالعودة إلى مواطنها في كازاخستان. تعتبر هذه التغيرات تجسيداً لانتصارات صغيرة قادرة على تشكيل مستقبل بديل، في ظل جهود مؤسسات وجمعيات وأفراد ودول تسعى لإنقاذ دورة الحياة البرية التي تضمن ديمومة الطبيعة بدقة وإبداع فطري لكوكب الأرض.

الانقراض السادس

يُعرّف الانقراض الجماعي بأنه فترة قصيرة من الزمن الجيولوجي تتميز بانقراض نسبة كبيرة من التنوع البيولوجي، أو الأنواع المتميزة مثل البكتيريا والفطريات والنباتات والثدييات والطيور والزواحف والبرمائيات والأسماك واللافقاريات. ومن الجدير بالذكر أن هذه الفترة القصيرة في الزمن الجيولوجي قد تمتد لعدة آلاف أو حتى ملايين السنين. شهدت الأرض خمسة انقراضات جماعية سابقة، كان أحدثها قبل 65.5 مليون سنة، عندما انقرضت الديناصورات، ويعتقد الخبراء أننا الآن على وشك الدخول في الانقراض الجماعي السادس.

وعلى خلاف الانقراضات السابقة التي كانت نتيجة لظواهر طبيعية، فإن الانقراض الجماعي السادس مدفوع بشكل رئيسي بالنشاط البشري، خصوصًا من خلال الاستخدام غير المستدام للأراضي والمياه والطاقة، وتغير المناخ. حاليًا، تم تحويل 40 في المئة من الأراضي لزراعة الغذاء. كما تُعزى 90 في المئة من إزالة الغابات عالميًا إلى الزراعة، والتي تستهلك بدورها 70 في المئة من المياه العذبة على كوكب الأرض، مما يلحق دمارًا كبيرًا بالأنواع التي تعيش في هذه المناطق من خلال تغيير بيئاتها جذريًا. لذا فإن مواقع وكيفية إنتاج الغذاء تُعتبر من أبرز التهديدات التي يتسبب فيها الإنسان لانقراض الأنواع ولأنظمتنا البيئية.

طرق إعادة التوطين

في هذا السياق، تعيد عملية إعادة التوطين الطبيعي التوازن إلى النظم البيئية من خلال إعادة إدخال الأنواع المحلية المفقودة، وربط المواطن المتباعدة، وتقليل مستوى التدخل البشري المفرط، مما يسمح للعمليات الطبيعية مثل الافتراس والرعي وتدفق الأنهار بإعادة تشكيل المناظر الطبيعية بمرور الوقت.
وتهدف إعادة التوطين الطبيعي إلى حماية ما تبقى من الأنواع، وهي تعمل بشكل نشط على استعادة العمليات البيئية التي فقدت.
تتم هذه العملية عبر ثلاث طرق رئيسية، من خلال استعادة المواطن، حيث يتم إعادة المواطن المتدهورة أو المجزأة إلى حالتها الطبيعية بإزالة العوائق مثل السدود والأسوار، مما يتيح للطبيعة الحرة تشكيل المشهد. ويمكن أن يتضمن ترميم المواطن أيضًا إعادة التدفق الطبيعي للمياه وإعادة التشجير واستعادة الأراضي الرطبة أو المراعي.
ومن خلال الإدارة البيئية، تدعم الإدارة الفعالة للأراضي النظم البيئية خلال مراحل تعافيها المختلفة، وتساعد على ضمان إعادة إدخال الأنواع بنجاح. ويشكل الإنسان جزءًا أساسيًا من الحياة البرية ويؤدي دورًا حاسمًا في حمايتها. والطريقة الثالثة هي عبر إعادة إدخال الأنواع، والتي تؤدي إلى استعادة التوازن في الحياة البرية بإعادة الأنواع المحلية إلى المواطن التي انخفضت فيها أعدادها بشكل حاد. وغالبًا ما تدعم برامج التربية للحفاظ على الأنواع عمليات إعادة إدخالها.

طيور الكاكابو

تجسد قصة طيور الكاكابو مثالًا على الحيوانات التي تم إعادتها مؤخرًا إلى مواطنها بعد توفير الظروف الملائمة للتكاثر والعناية بها بشكل دقيق وتقديم المتابعة المستمرة. انخفض عدد طيور الكاكابو في عام 1995 إلى 51 طائرًا فقط، من بينها 20 أنثى فقط، لكن بفضل جهود التعافي المتضافرة التي بدأت في الثمانينيات، بدأ هذا النوع بالتعافي تدريجياً. وفي الأول من سبتمبر (أيلول) الماضي، أعلنت إدارة حماية البيئة في نيوزيلندا عن أحدث إحصائية، حيث ظهر 325 طائرًا من الكاكابو.

وفي هذا الشأن، صرّحت الناشطة في إدارة الحفاظ على البيئة في نيوزيلندا، فيركو ديدري فيركو، ببيان، “هذا إنجاز مهم لأن العدد لم يتجاوز 300 فرد منذ أكثر من 75 عامًا”. إذ شهدت أعداد طيور الكاكابو انتعاشًا ملحوظًا بفضل موسم التكاثر الجيد في وقت سابق من هذا العام. ويمثل ذلك أهمية كبرى، لأن طيور الكاكابو لا تتزاوج سنويًا، بل تتكاثر عادة كل عامين إلى أربعة أعوام، وذلك في فترات نضوج أشجار الريمو، وهي أشجار دائمة الخضرة موطنها نيوزيلندا، والتي تنتج ثمارًا حمراء وفيرة، وقد شهدت هذه الأشجار هذا العام أحد أفضل مواسمها منذ عقود، مما أدى إلى هذا الارتفاع الكبير في أعداد المواليد.

 

خيول برزوالسكي

تُعَدّ خيول برزوالسكي النوع الوحيد من الخيول الحية التي لم تتعرض للتدجين على الإطلاق، فقد كانت تجوب السهوب الشاسعة في آسيا الوسطى، ولكن بحلول الوقت الذي تم فيه تصنيف هذه الخيول كنوع مستقل في عام 1881، كان عددها قد بدأ بالفعل في الانخفاض نتيجة لصيدها وفقدان المواطن. وبحلول عام 1969، أُعلن انقراضها في البرية، ولم يتبق منها سوى أقل من 200 حصان في جميع أنحاء العالم، وكانت جميعها في حدائق الحيوان وتنحدر من 13 حصانًا تم أسرها قبل عام 1948.

في عام 1990، وضع الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) خطة لإنقاذ هذا النوع، حيث دعت الخطة إلى الحفاظ على التنوع الجيني لهذا النوع من خلال التكاثر الانتقائي، كما دعت إلى إعادة توطين كائناته في موائلها الأصلية عبر إنشاء 5 إلى 10 مجموعات ذات استدامة في البرية، مع اقتراح مواقع محتملة في منغوليا والصين وأوكرانيا وكازاخستان، وكذلك في الجبال المحيطة ببحيرة بايكال في سيبيريا.

حاليًا، يوجد أكثر من 1000 حصان من خيول برزوالسكي في منغوليا والصين، وتواصل حديقة حيوان براغ جهودها لإعادة توطين هذا النوع في جزء آخر من موطنه الأصلي، وهو سهول كازاخستان. تم إطلاق حصان من سلالة برزوالسكي في حظيرة واسعة بكازاخستان، ليبدأ خطواته الأولى عائدًا إلى السهول التي جابها أسلافه. ويمثل هذا الإطلاق المدروس جزءًا من مشروع “عودة الخيول البرية”، ويعتبر خطوة حاسمة في إعادة آخر حصان بري حقيقي إلى موطنه التاريخي بعد أكثر من 200 عام من الأسر.

 

ببغاء سبيكس

في بداية الألفية، انقرض ببغاء “سبيكس” (Cyanopsitta spixii) من البرية، وهو يُعَد من بين أكثر أنواع الببغاوات المهددة بالانقراض في العالم، بسبب تجارة الحيوانات الأليفة غير المشروعة وتدهور المواطن في موطنه الأصلي بالبرازيل، مما جعل عدد الأفراد القلائل المتبقيين يتراجع في مرافق الأسر حول العالم. لكن في عام 2022، أُطلق برنامج إعادة توطين يحتوي على أول دفعة من 20 ببغاء “سبيكس”، والتي تم تربيته من الطيور الأسيرة، إلى البرية، محققة نتائج مدهشة، بما في ذلك أول فقس لفراخ برية منذ عدة عقود.

اليوم، يُمكن رؤية حوالي 11 طائرًا من هذه الببغاوات الزرقاء تحلق في منطقة كاتينغا شبه القاحلة في شمال باهيا في أمريكا الجنوبية، وتقوم بتفريخ جيل جديد من ببغاوات المكاو البرية، مما يُعتبر دليلاً على جهود الحفاظ المكثفة التي تعد الأنجح على الإطلاق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يقول فيرسيلو، المدير الفني لمنظمة “بلو سكاي كاتينغا” المعنية بالحفاظ على البيئة، عندما اكتشف برفقة دعاة الحفاظ على البيئة مجموعة جديدة من البيض بعد أن نفقت الدفعة الأولى: “كان علينا التدخل، فهناك فقط ثلاثة فراخ، أخذنا أحدها لأنه كان أضعف، وهذا أمر طبيعي لأنها عادة ما تضع ثلاث بيضات، ومن بين البيضات الثلاث، لا ينجو إلا بيضة واحدة. لذلك أخذنا أصغرها لنرعاه في الأسر لإنقاذه.” ويضيف قائلاً: “لكن الفرخين اللذين بقيا كانا قويين وبدءا يطيران، حتى استيقظت ذات صباح على صورة للفرخين وهما على قمة شجرة كاتينغيرا، يلعبان مع أمهما وتطعمهما”.

لكن قصة عودة ببغاء “سبيكس” من الانقراض إلى السماء مليئة بالتحديات. وحتى عملية إعادة التوطين الناجحة تواجه عقبات، ففي الأسبوع نفسه الذي تلقى فيه فيرسيلو نبأ تحليق الفراخ، حدث انقطاع في الرابط الإداري الذي كان يدير المشروع، مما يُهدد مستقبل هذا البرنامج الواعد. كان ذلك نتيجة اتفاقية تعاون بين الحكومة البرازيلية ومركز التكاثر الألماني الذي يضم معظم ببغاوات “سبيكس” حول العالم، مما أثار المخاوف حول مستقبل المشروع.

 

نمر الجاغوار

من بين العائدين، نمر الجاغوار أو اليغور الذي عاد ليجول في غابات جنوب المكسيك الكثيفة، حيث وفقًا لتقرير جديد من “التحالف الوطني للجاغوار” (ANCJ)، زادت أعداد أكبر أنواع القطط في أمريكا اللاتينية بنسبة 30 في المئة على مدار السنوات الـ15 الماضية. بينما كان عدد اليغور حوالي 4 آلاف فرد خلال أول مسح وطني أجري عام 2010، يُقدّر العدد حاليًا بـ5326 فردًا. وفي هذا السياق، صرح جيراردو سيبايوس، عالم البيئة بجامعة المكسيك الوطنية المستقلة (UNAM) ومؤسس التحالف الوطني لليغور، بأن “هذا تطور مبشر، لقد أثبتنا أن هذه الحيوانات أكثر مرونة مما كنا نظن، وجهود الحماية تؤتي ثمارها فعلاً”.

ترتكبت هذه الأرقام بناءً على أكبر دراسة أُجريت على الثدييات في المكسيك على الإطلاق، حيث تم رصد وجود حيوانات اليغور عبر أكثر من 900 كاميرا مراقبة لمدة 90 يومًا في 15 ولاية. وتمتد المساحة التي شملها هذا المسح إلى أكثر من 400 ألف هكتار في جميع المناطق التي لا تزال الحيوانات الجاغوار متواجدة فيها. لطالما كانت الجاغوار رمزًا مهمًا في أميركا الوسطى منذ عصور ما قبل كولومبوس، وتمتلئ المتاحف في المكسيك بتماثيل تاريخية لهذا المخلوق العظيم، ويُقَدّر الباحثون أن حوالي 20 ألفًا من اليغور كانت تسكن البلاد في مطلع القرن الـ20.

وفي الثالث من أغسطس (آب) 2026، أُطلقت أنثى نمر “آمور” تُدعى “أوميت” في موطنها الطبيعي في ألماتي بكازاخستان، لتكون أول نمر يُطلق من بين أربعة نمور آمور سيبيرية تم نقلها من روسيا إلى كازاخستان.

وأُطلقت سلاحف عملاقة صغيرة في جزيرة فلوريانا كجزء من مشروع لإعادة إدخال هذا النوع إلى موطنه الأصلي في جزر غالاباغوس الإكوادورية في 20 فبراير (شباط) 2026.

وقام دانيال غونتر، رئيس وزراء إقليم “شليسفيغ هولشتاين” الألماني، بإطلاق نوع محمي ومهدد بالانقراض من “جراد البحر” في بركة بحصاة في محجر حصى “سيفيرك واردر” في 10 أغسطس (آب) الماضي. الهدف هو المساهمة في ضمان بقاء هذا النوع على المدى البعيد. وهناك الكثير من الحيوانات المهددة بالانقراض الأخرى أيضاً يجري حمايتها وإعادة توطينها في الأوقات المناسبة.

شارك الخبر