التزييف العميق .. كيف يؤثر الذكاء الاصطناعي في انتخابات إسرائيل؟

تحولت الانتخابات الإسرائيليةالمقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 إلى ساحة اختبار لتأثير الذكاء الاصطناعي في الحياة السياسية، وسط مخاوف من استخدامه لنشر التضليل وتأجيج الانقسامات والتأثير في خيارات الناخبين.

ومن أبرز الأمثلة مقطع فيديو قصير نُشر على حساب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في منصة “إكس”، يظهر فيه منافسه غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق للجيش الإسرائيلي والمترشح لرئاسة الحكومة، وهو يركض عبر مرج أخضر نحو شاب يرتدي قميصاً كُتبت عليه عبارة “الوحدة الإسرائيلية” أشار بعض المعلقين إلى أنه يشبه ابنه غال مئير آيزنكوت، قبل أن يتجاوزه ويعانق منصور عباس، رئيس حزب “القائمة العربية الموحدة” (رعام).

وقد تجاوزت مشاهدات مقطع الفيديو مليون مشاهدة، كما أثار انتقادات واسعة، خصوصا أن نجل آيزنكوت قُتل خلال الحرب بين إسرائيل وحماس عام 2023.

نشر نتنياهو في يوليو على منصة "إكس" مقطعاً لمنافسه غادي آيزنكوت، تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي. وقد حصد المقطع أكثر من مليون مشاهدة.
نشر نتنياهو في يوليو على منصة “إكس” مقطعاً لمنافسه غادي آيزنكوت، تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي. وقد حصد المقطع أكثر من مليون مشاهدة..صورة من: x.com/netanyahu

ويبدو أن المقطع -الذي أُنشئ باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي- صُمم لاستغلال المشاعر المناهضة للعرب، وهي ركيزة أساسية في حملة نتنياهو الانتخابية.

أحزاب في قلب الذكاء الاصطناعي

وبحسب مشروع “Ze Be AI” البحثي التابع للجامعة المفتوحة في إسرائيل، نشر حزب الليكود، بقيادة نتنياهو، أكثر من 1800 منشور يتضمن محتوى مولّدًا بالذكاء الاصطناعي حتى منتصف أكتوبر/تشرين الأول الحالي، بما يعادل نحو ربع المواد التي حللها المشروع للحزب.
وجمع الباحثون أكثر من 44 ألف منشور سياسي من منصات “فيسبوك” و”إنستغرام” و”إكس” و”تيك توك” منذ نهاية يوليو/تموز، ووجدوا أن أكثر من 14 في المئة منها استخدم الذكاء الاصطناعي. وتنوعت الاستخدامات بين الصور والموسيقى والشعارات ومقاطع الفيديو المفبركة، فيما تصدر الليكود الأحزاب من حيث العدد الإجمالي للمحتوى الاصطناعي، تلاه حزب “الديمقراطيون” ثم حزب “ياشار” بقيادة آيزنكوت.

ولا يقتصر هذا الاستخدام على حزب بعينه. فقد نشر زعيم حزب “الديمقراطيون” يائير غولان فيديو تتبدل فيه ملابسه مع دوران مروحة سقفية.

وفي مقطع فيديو تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي ويبدو واقعياً للغاية -نُشر في سبتمبر من قِبل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش- تظهر عملية إلقاء القبض على النائبة العامة الإسرائيلية وقضاة المحكمة العليا خلال احتجاج مناهض للحكومة. يُذكر أن النائبة العامة غالي باهاراف-ميارا دخلت في صدامات متكررة مع الائتلاف الحاكم.

يُظهر مقطع فيديو - أُنشئ باستخدام الذكاء الاصطناعي ونشره وزير المالية بتسلئيل سموتريتش - كلاً من النائبة العامة الإسرائيلية وقضاة المحكمة العليا وهم محتجزون خلال احتجاج مناهض للحكومة.
يُظهر مقطع فيديو – أُنشئ باستخدام الذكاء الاصطناعي ونشره وزير المالية بتسلئيل سموتريتش – كلاً من النائبة العامة الإسرائيلية وقضاة المحكمة العليا وهم محتجزون خلال احتجاج مناهض للحكومة.صورة من: x.com/bezalelsm

كذلك أثار فيديو نشره وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، يصور فلسطينيين يُنقلون إلى مكان يشبه معسكر اعتقال، إدانات واسعة، إذ وصفته وزارة الخارجية الألمانية بأنه “غير مقبول إطلاقاً” و”بغيض”.

وفي يوليو/تموز، ألزمت قاعدة جديدة صادرة عن لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية الحملات بوضع إشارات على المحتوى المُنتج أو المعدّل بالذكاء الاصطناعي. كما أمر رئيس اللجنة سموتريتش بحذف فيديو غير موسوم اعتُبر مضللا. لكن الباحثة الإعلامية أنات بن دافيد، المشرفة على مشروع “Ze Be AI”، تشير إلى محدودية التنظيم في إسرائيل، في ظل غياب تشريعات شاملة مماثلة للتشريعات الأوروبية وتقادم قوانين الخصوصية.

[embedded content]

مكالمات “ذكية” وشبكات آلية.. أساليب تأثير 

يمتد استخدام الذكاء الاصطناعي إلى المكالمات الانتخابية التي تحاكي المحادثات البشرية. فقد شارك الباحث في التضليل الإعلامي لدى جمعية الإنترنت الإسرائيلية، نيتسان ياسور، مع “DW” تسجيلاً لمكالمة استمرت أربع دقائق، تحدث خلالها نظام آلي عرّف نفسه باسم “دانييل”، وسأل عن التوجهات الانتخابية للمتلقي. ورغم إقراره بعدم وجود موظف بشري على الخط، امتنع عن كشف الجهة التي طلبت إجراء الاستطلاع.
وترى تيهيلا شوارتس ألتشولر، الباحثة في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، أن هذه التكنولوجيا تتيح التواصل مع أعداد أكبر من الناخبين من دون الحاجة إلى موظفين لإجراء المكالمات يدويا.
وتتزايد المخاوف أيضاً من لجوء الناخبين إلى روبوتات الدردشة للحصول على معلومات سياسية. فبحسب استطلاع أجرته جمعية الإنترنت الإسرائيلية، قال نحو ربع الإسرائيليين إنهم قد يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي أو خدمات الإنترنت للمساعدة في تحديد خياراتهم الانتخابية. ويحذر خبراء من استغلال تقنيات لتحسين الظهور في المحركات التوليدية (GEO) لنشر محتوى يؤثر في إجابات هذه الأدوات. ووفقا لوثائق مقدمة بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب الأميركي، دفعت الحكومة الإسرائيلية لشركة أميركية لإنشاء مواقع تتضمن محتوى مؤيدا لها بهدف التأثير في أنظمة الذكاء الاصطناعي.

حسابات وهمية لتعزيز الحضور السياسي على الإنترنت

وفي موازاة ذلك، رصدت شركة “سكوبر” الإسرائيلية المتخصصة في مراقبة وسائل الإعلام شبكة حسابات مشبوهة تعزز حضور نتنياهو على “إكس”. وقال مدير أبحاثها جيل فيلدمان إن نحو 70 في المئة من الحسابات التي تعيد نشر منشورات رئيس الوزراء تبدو وكأنها تعمل من خارج إسرائيل وتحمل سمات الحسابات الآلية.
كما كشفت منظمة “فيك ريبورتر” عن شبكة تضم أكثر من مئة حساب مرتبطة، بحسب تحقيقها، بحملة بن غفير، ويستخدم بعضها صوراً وهويات مولّدة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما نفاه مكتب الوزير.
وتحذر شوارتس ألتشولر من أن الذكاء الاصطناعي يغيّر قواعد الدعاية السياسية، إذ يجعل التضليل وتضخيم الدعم الشعبي أسهل وأقل تكلفة، ما قد يمنح هذه الأدوات دورا مؤثرا في الانتخابات الإسرائيلية، وربما في الانتخابات حول العالم.

أعده للعربية: أ.ف

شارك الخبر